الآلوسي

203

تفسير الآلوسي

* ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يابُشْرَى هَاذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) * * ( وَجَاءَتْ ) * شروع فيما جرى على يوسف عليه السلام في الجب بعد الفراغ عن ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه أي وجاءت إلى الجب * ( سَيَّارَةٌ ) * رفقة تسير من جهة مدين إلى مصر وكان ذلك بعد ثلاثة أيام مضت من زمن القائه في قول ، وقيل : في اليوم الثاني ، والظاهر أن الجب كان في طريق سيرهم المعتاد . وقيل : إنه كان في قفرة بعيدة من العمران فأخطأوا الطريق فأصابوه * ( فَأَرْسَلُواْ ) * إليه * ( وَاردَهُمْ ) * الذي يريد الماء ويستقي لهم وكان ذلك مالن بن ذعر الخزاعي . وقال ابن عطية : الوارد هنا يمكن أن يقع على الواحد وعلى الجماعة اه‍ والظاهر الأول ، والتأنيق في * ( جاءت ) * والتذكير في * ( أرسلوا - و - واردهم ) * باعتبار اللفظ والمعنى ، وفي التعبير بالمجيء إيماء إلى كرامة يوسف عليه السلام عند ربه سبحانه ، وحذف متعلقة وكذا متعلقة وكذا متعلق الإرسال لظعوره ولذا حذف المتعلق في قوله سبحانه : * ( فَأَدْلَى دَلْوَهُ ) * أي أرسلها إلى الجب ليخرج الماء ، ويقال : دلا الدلو إذا أخرجها ملأي ، والدلو من المؤنثات للسماعية فتصغر على دلية وتجمع على أدل . ودلاء ودلى . وقال ابن الشحنة : إن الدلو التي يستقي بها مؤنثة وقد تذكر ، وأما الدلو مصدر دلوت وضرب من السير فمذكر ومثلها في التذكير والتأنيث الجب عند الفراء على ما نقله عنه محمد بن الجهم ، وعن بعضهم أنه مذكر لا غير وأما البئر مؤنثة فقط في المشهور ، ويقال في تضغيرها : بويرة ؛ وفي جمعها آباء . وأبار . وأبؤر . وبثار ، وفي الكلام حذف أي فأدلى دلوه فتدلى بها يوسف فخرج * ( قَالَ ) * استئناف مبني على سؤال يقتضيه الحال . * ( يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ ) * نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه ورفقته كأنه نزلها منزلة شخص فناداه فهو استعارة مكنية وتخييلية أي يا بشرى تعالى فهذا أوان حضورك ، وقيل : المنادي محذوف كما في يا ليت أي يا قومي انظروا واسمعوا بشراي ، وقيل : إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء . وزعم بعضهم أن بشرى اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه ، وروي هذا عن السدى - وليس بذاك - وقرأ غير الكوفيين - يا بشراي - بالإضافة ، وأمال فتحة الراء حمزة . والكسائي ، وقرأ وريش بين اللفظين . وروي عن نافع أنه قرأ - يا بشراي - بسكون ياء الإضافة ويلزمه التقاء الساكنين عغلى غيره وحده ، واعتذر بأنه أجري الوصل مجرى الوقف ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وغيره ، وقيل : جاز ذلك لأن الألف لمدها تقوم مقام الحركة ، وقرأ أبو الطفيل . والحسن . وابن أبي إسحق . والجحدري * ( يا بشرى ) * بقلب الألف ياءاً وإدغامها في ياء الإضافة - وهي لغة لهذيل . ولناس غيرهم - ومن ذلك قول أب ؛ ي ذؤيب : سبقوا ( هوى ) وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل جنب مصرع ويقولون : يا سيدي . ومولى ، و - الغلام - كثيراً ما يطلق على ما بين الحولين إلى البلوغ ، وقد يطلق على الرجل الكامل كما في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف الثقفي . غلام إذا هز القناة سقاها والظاهر أن التنوين فيه للتغخيم ، وحق له ذلك فقد كان عليه من أحسن الغلمان ، وذكر البغوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أعطي يوسف شطر الحسن . وقال محمد بن إسحاق : ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن ، وحكى الثعلبي عن كعب الأحبار أنه قال : كان