الآلوسي
164
تفسير الآلوسي
ثم عن سائر المعاصي ، فالوجه كما قال : حمل الظلم على مطلق الفساد الشامل لسائر القبائح والآثام وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه بكون البعض متصدياً للنهي . والبعض الآخر متوجهاً إلى الاتعاظ غير مصر على ما هو عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد انتهى ، لكن أخرج الطبراني . وابن مردويه . وأبو الشيخ والديلمي عن جرير قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئل عن تفسير هذه الآية * ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) * فقال عليه الصلاة والسلام : وأهلها ينصف بعضهم بعضاً " وأخرجه ابن أبي حاتم . والخرائطي في مساوي الأخلاق عن جرير موقوفاً ، وهو ظاهر في المعنى الذي نقله الطبري ، ولعله لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فالأمر مشكل ، وجعل التصدي للنهي من بعض والاتعاظ من بعض آخر من إنصاف البعض كما ترى فافهم . * ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحدَةً ) * مجتمعين على الدين الحق بحيث لا يقع من أحد منهم كفر لكنه لم يشأ سبحانه ذلك فلم يكونوا مجتمعين على الدين الحق ، ونظير ذلك قوله سبحانه : * ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) * وروي هذا عن ابن عباس . وقتادة ، وروي عن الضحاك أن المراد لو شاء لجمعهم على هدى أو ضلالة * ( وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلفينَ ) * بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل . أخرج ذلك ابن أبي جاتم عن ابن عباس ، ولعل المراد الاختلاف في الحق والباطل من العقائد التي هي أصول الدين بقرينة المقام ، وقيل : المراد ما يشمل الاختلاف في العقائد والفروع وغيرهما من أمور الدين لعدم ما يدل على الخصوص في النظم فالاستثناء [ بم في قوله سبحانه : * ( إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) * * ( إلاّ مَن رَّحمَ رَبُّكَ ) * متصل على الأول وهو الذي اختاره أبو حيان . وجماعة ، وعلى الثاني منقطع حيث لم يخرج من رحمه الله تعالى من المختلفين كأئمة أهل الحق فإنهم أيضاً مختلفون فيما سوى أصول الدين من الفروع ، وإلى هذا ذهب الحوفي ومن تبعه . * ( ولذَلكَ خَلَقَهُمْ ) * أي الناس ، والإشارة - كما روي عن الحسن . وعطاء - إلى المصدر المفهوم من * ( مختلفين ) * ونظيره . إذا نهى السفيه جري إليه كأنه قيل : ولاختلاف خلق الناس على معنى لثمرة الاختلاف من كون * ( فريق في الجنة وفريق في السعير ) * ( الشورى : 7 ) خلقهم ، واللام لام العاقبة والصيرورة لأن حكمة خلقهم ليس هذا لقوله سبحانه : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم على ارتكاب الباطل كذا قال غير واحد ، وروي عن الإمام مالك ما يقتضيه ، وعندي أنه لا ضير في الحمل على الظاهر ولا منافاة بين هذه الآية والآية التي ذكروها لما ستعلمه إن شاء الله تعالى من تفسيرها في الذاريات ، وما يروى فيها من الآثار وأن الخلق من توابع الإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم في نفسه والتعذيب أو الإثابة ليس إلا لأمر أفيض على المعذب والمثاب بحسب الاستعداد الأصلي ، وربما يرجع هذا بالآخرة إلى أن التعذيب والإثابة من توابع ذلك الاستعداد الذي عليه المعذب أو المثاب في نفسه ، ومن هنا قالوا : إن المعصية والطاعة أمارتان على الشقاوة والسعادة لا مقتضيتان لهما ، وبذلك يندفع قولهم : ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم ، ولما قررناه شواهد كثيرة من الكاتب والسنة ة تخفى على المستعدين لإدراك الحقائق ، وقيل : ضمير * ( خلقهم ) * لمن باعتبار معناه ، والإشارة للرحمة المفهومة من * ( رحم ) * ، والتذكير لتأويلها بأن والفعل أو لكونها بمعنى الخير ، وروي ذلك عن مجاهد . وقتادة ، وروي عن ابن عباس أن الضمير للناس والإشارة للرحمة والاختلاف أي لاختلاف الجميع ورحمة بعضهم * ( خلقهم ) * ، وجاءت الإشارة لاثنين كما في قوله تعالى : * ( عوان بين ذلك ) * ( البقرة : 68 ) واللام على هذا قيل : بمعنى