الآلوسي

146

تفسير الآلوسي

إلا ما صح عنده ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرد بذلك ، وروي عنه أنه احتج لذلك بقولهم : مسعود ، وتعقب بأنه لا حجة فيه لاحتمال أنه كان مسعود فيه ، وذكر أن الفراء حكى أن هذيلاً تقول : سعده الله تعالى بمعنى أسعده ، وقال الجوهري : سعد بالكسر فهو سعيد مثل قولهم : سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ، وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري : ورد سعده الله تعالى فهو مسعود ، . وأسعده الله تعالى فهو مسعد ، وما ألطف الإشارة في - شقوا . وسعدوا - على قراءة البناء للفاعل في الأول والبناء للمفعول في الثاني ، فمن وجد ذلك فليحمد الله تعالى . ومن لم يجد فلا يلومنّ إلا نفسه * ( عَطَاءاً غير مَجْذُوذ ) * أي غير مقطوع عنهم ولا مخترم ، ومصدره الجذ ، وقد جاء جذذت . وجددت بالذال المعجمة والدال كما قال ابن قتيبة ، وبالمعجمة أكثر ، ونصب * ( عطاءاً ) * على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله سبحانه : * ( ففي الجنة خالدين فيها ) * يقتضي إعذاءاً وإنعاماً فكأنهم قيل : يعطيهم إعطاءاً وهو إما اسم مصدر هو الاعطاء . أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى : * ( أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ( نوح : 17 ) ، وقيل : هو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة . أو تمييز ، فإن نسبة مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ ، وعلى جهة عطاء غير مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة ، ولعل النصب على المصدرية أولى وكأنه جيء بذلك اعتناءاً ومبالغة في التأبيد ودفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناء من الانقطاع ، وقيل : إن ذلك لبيان أن ثواب أهل الجنة - وهو إما نفس الدخول . أو ما هو كاللازم البين له - لا ينقطع فيعلم منه أن الاستثناء ليس للدلالة على الانقطاع كما في العقاب بل للدلالة على ترادف نعم ورضوان من الله تعالى ؛ أو لبيان النقص من جانب المبدأ ولهذا فرق في النظم بين التأبيد من حيث تمم الأول بقوله سبحانه : * ( إن ربك فعال لما يريد ) * ( هود : 107 ) للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء ويختار ؛ والثاني بقوله تعالى : * ( إن ربك فعال لما يريد ) * ( هود : 107 ) للدلالة على أنه ينعم بعض من يعذبه ويبقى غيره كما يشاء ويختار ؛ والثاني بقوله تعالى : * ( عطاءاً ) * الخ بيناناً لأن إحسانه لا ينقطع ، ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل بذلك في الجنة ، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال : قال عمر : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ، وبما أخرج إسحق بن راهويه عن أبي هريرة قال : سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد ، وقرأ * ( فأما الذين شقوا ) * الآية ، وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية * ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) * ( هود : 108 ) قال : وقال ابن مسعود : ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها ، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً إلى غير ذلك من الآثار . وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين ، وأول البعض بعضها ؛ ومر شيى من الكلام في ذلك ، وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف ، والقواطع أكثر من أتي تحصى ، ولا يقاوم واحداً منها كثير من هذه الأخبار ، ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها كما روي عن السدى بل لا يكاد يصح القول بالنسخ ي مثل ذلك ، هذا وقد ذكر أن في الآية صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم أما الجمع ففي قوله تعالى : * ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا باذنه ) * ( هود : 105 ) فإن النفس كما تقرر عامة لكونها نكرة في سياق النفي ، وأما التفريق ففي قوله تعالى : * ( فمنهم شقي وسعيد ) * ( هود : 105 ) وأما التقسيم ففي قوله سبحانه : * ( فأما الذين شقوا ) * ( هود : 106 ) الخ ونظيرها في ذلك قول الشريف القيرواني :