الآلوسي
141
تفسير الآلوسي
أهل الموقف المدلول عليه بقوله سبحانه : * ( لا تكلم نفس ) * ( هود : 105 ) أو الجميع الذي تضمنه * ( نفس ) * إذ هو اسم جنس أريد به الجميع على ما نقله أبو حيان عن ابن عطية ، أو الناس المذكور في قوله سبحانه : * ( مجموع له الناس ) * ونقل ابن الأنباري أن الضمير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو من الغرابة بمكان وكأنه قصد هذا القائل بذلك تمهيداً لتوجيه الاستثناء الآتي وهو ولله الحمد غني عن ذلك ، والظاهر أن * ( من ) * للتبعيض والجار والمجرور خبر مقدم ، وقوله سبحانه : * ( شَقيٌّ ) * مبتدأ ، وقوله تعالى : * ( وَسَعيدٌ ) * بتقدير ومنهم سعيد ، وحذف منهم لدلالة الأول عليه ، والسعادة على ما قال الراغب : معاونه الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادها الشقاوة ، وفسر في البحر الشقاوة بنكد العيش وسوئه ، ثم قال : والسعادة ضدها ، وفي القاموس ما يقرب من ذلك ، فالشقي . والسعيد هما المتصفان بما ذكر ، وفسر غير واحد الأول بمن استحق النار بمقتضى الوعيد . والثاني بمن استحق الجنة بموجب الوعد ، وهذا هو المتعارف بين الشرعيين ، وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام الانذار والتحذير . * ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) * * ( فَأَمَّا الَّذينَ شَقُواْ ) * أي سبقت لهم الشقاوة * ( فَفي النَّار ) * أي مستقرون فيها * ( لَهُمْ فيهَا زَفيرٌ وَشَهيقٌ ) * قال أهل اللغة من الكوفية . والبصرية : الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار والشهيق بمنزلة آخر نهيقه ، قال رؤبة : حشرج في الصدر صهيلا أو شهق * حتى يقال ناهق وما نهق وقال ابن فارس : الزفير إخراج النفس . والشهيق رده ، قال الشماخ في حمار وحش : بعيد مدى التطريب أول صوته * زفير ويتلوه شهيق محشرج وقال الراغب : الزفير ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه من زفر فلان إذا حمل حملاً بمشقة فتردد فيه نفسه ، ومنه قيل : للإماء الحاملات الماء : زوافر . والشهيق طول الزفير وهو رد النفس ، والزغير مده ، وأصله من جبل شاهق أي متناه في الطول . وعن السائب أن الزفير للحمير . والشهيق للبغال وهو غريب ، ويراد بهما الدلالة على كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بحال من استولت على قلبه الحرارة وانحصر فيه روحه ، أو تشبيه أصواتهم بأصوات الحمير ففي الكلام استعارة تمثيلية أو استعارة مصرحة ، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : يريد ندامة ونفساً عاليا وبكاءاً لا ينقطع ، وقرأ الحسن * ( شقوا ) * بضم الشين فاستعمل متعدياً لأنه يقال شقاه الله تعالى كما يقال أشقاه ، وجملة * ( لهم فيها زفير ) * الخ مستأنفة كأن سائلا قال : ما شأنهم فيها ؟ فقيل لهم فيها كذا وكذا ، وجوّز أن تكون منصوبة المحل على الحالية من النار أو من الضمير في الجار والمجرور [ بم كقوله عز وجل : * ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاواتُ والاَْرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) * * ( خَالدينَ فيهَا ) * خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار فالحال مقدرة * ( مَا دَامَت السَّمَاواتُ والأَرْضُ ) * أي مدة دوامهما ، وهذا عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع على منهاج قول العرب : لا أفعل كذا ما لاح كوكب . وما أضاء الفجر . وما اختلف الليل والنهار . وما بل بحر صوفة . وما تغنت حمامة إلى غير ذلك من كلمات التأبيد عندهم لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض ، فإن النصوص القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع دوامهما ، وروي هذا عن ابن جرير ، وجوز أن يحمل ذلك على التعليق والمراد بالسموات والأرض سماوات الآخرة وأرضها ، وهي دائمة للأبد ، قال الزمخشري : والدليل على أن لها سماوات وأرضاً قوله سبحانه : * ( يوم تبدل الأرض غير