الآلوسي
121
تفسير الآلوسي
ووجه الدفع بذلك التقدير ظاهر لأن الدخول ليس على الفاعل حينئذ . وجوز أن يكون ذلك التقدير لما أن التوفيق وهو كون فعل العبد موافقاً لما يحبه الله تعالى ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله تعالى عليه ، ومجرد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه عز شأنه * ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) * في ذلك ، أو في جميع أمور لا على غيره فإنه سبحانه القادر المتمكن من كل شيء ، وغيره سبحانه عاجز في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار كما أشار إليه الكتاب وعاينه أولو البصائر والألباب * ( وَإلَيْه أنيبُ ) * أي أرجع فيما أنا بصدده ، أو أقبل بشراشرى في مجامع أموري لا إلى غيره ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وكأن إيثار صيغة الاستقبال فيها على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار ، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام مما لا يكاد يوجد في كلام خطيب إلا أن يكون نبياً . وفي أنوار التنزيل أن لأجوبته عليه السلام الثلاثة يعني * ( يا قوم أرأيتم ) * الخ * ( وما أريد أن أخالفكم ) * الخ و * ( إن أريد ) * الخ على هذا النسق شأناً ، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعى في كل ما يأته ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى ، فإن الجواب الأول : متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته . وثانيها : حق النفس ، فإن الجواب الثاني متضمن بيان حق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره . وثالثها : حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن للإشارة إلى أن حق الغير عليه إصلاحه وإرشاده ؛ وإنما لم يعطف قوله : * ( إن أريد ) * الخ على ما قبله لكونه مؤكداً ومقرراً له لأنه لو أراد الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريداً للإصلاح ، ولا ينافي هذا كونه متضمناً لجواب آخر ، وكأن قوله : * ( وما توفيقي ) * الخ إزاحة لما عسى أن يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك ، ونظير ذلك * ( إياك نعبد وإياك نستعين ) * وفيه مع ما بعده إشارة إلى محض التوحيد ، وقال غير واحد : إنه قد اشتمل كلامه عليه السلام على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة ، وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عز شأنه في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم ، قيل : وفيه أيضاً تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء ، وذلك من قوله : * ( وإليه أنيب ) * لأن الرجوع إليه سبحانه يكنى به عن الجزاء وهو وإن كان هنا مخصوصاً به لاقتضاء المقام له لكنه لا فرق فيه بينه وبين غيره ، وفيه مع خفاء وجه الإشارة أن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه سبحانه لا الرجوع الاضطراري للجزاء وما يعمه ، وقد يقال : إن في قوله : * ( عليه توكلت ) * إشارة أيضاً إلى تهديدهم لأنه عز وجل الكافي المعين لمن توكل عليه لكن لا يتعين أن يكون ذلك تهديداً بالجزاء يوم القيامة . * ( وَياقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ) * * ( وَيَاقَوْم لاَ يَجْرمَنَّكُمْ ) * أي لا يكسبنكم * ( شقَاقي ) * أي معاداتي ، وأصلها أن أحد المتعادين يكون في عدوة وشق . والآخر في آخر ، وروي هذا عن السدي ، وعن الحسن ضراري ، وعن بعض فراقي ، والكل متقارب ، وهو فاعل - يجرمنكم - والكاف مفعوله الأول ، وقوله سبحانه : * ( أَن يُصيبَكُم ) * مفعوله الثاني ، وقد جاء تعدى - جرم - إلى مفعولين كما جاء تعديها لواحد وهي مثل كسب في ذلك ، ومن الأول قوله : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * ( جرمت ) فزارة بعدها أن يغضبوا وإضافة - شقاق - إلى ياء المتكلم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي لا يكسبنكم شقاقكم إياي أن يصيبكم