الآلوسي

114

تفسير الآلوسي

أن المعنى أنها جاءت من عن ربك ، وعن أبي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه . وقال ابن الأنباري : المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم . * ( وَمَا هيَ ) * أي الحجارة الموصوفة بما ذكر * ( منَ الظَّالمينَ ) * من كل ظالم * ( ببَعيد ) * فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها ، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة ، وروي هذا عن الربيع . وأخرج ابن جيرير . وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة ، وجاء في خبر ذكره الثعلبي ، وقال فيه العراقي : لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ، وقيل : المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام ، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم . وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد ، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام ، و * ( الظالمين ) * من يشبههم من الناس ، ويمكن أن يقال : إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير . وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير * ( هي ) * للقرى التي جعل * ( عاليها سافلها ) * والمراد من * ( الظالمين ) * ظالمو مكة ، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير - البعيد - يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس ، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد ، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض ءلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم ، أو لأنه على زنة المصدر - كالزفير . والصهيل - والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث . * ( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ والْمِيزَانَ إِنِّىأَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّىأَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ) * * ( وَإلَى مَدْيَنَ ) * أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام فحذف المضاف أو جعل اسما بالغلبة للقبيلة وكثيراً ما تسمى القبيلة باسم أبيهم - كمضر . وتميم - ولعل هذا أولى ، وجوز أن يراد بمدين المدنية التي بناها مدين فسميت به فيقدر حينئذ مضاف أي وإلى أهل مدين * ( أخَاهُمْ ) * نسيبهم * ( شُعَيْباً ) * قد مر ما قيل في نسبه عليه السلام ، والجملة معطوفة على قوله سبحانه : * ( وإلى ثمود أخاهم صالحاً ) * ( الأعراف : 73 ) أي وأرسلنا إلى مدين شعيباً . * ( قَلبَ يَاقَوْم اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إلَاه غَيْرُهُ ) * أمر بالتوحيد على وجه أكيد ولما كان ملاك الأمر قدمه على النهي عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض ، وإيصال الحقوق لأصحابها بقوله : * ( وَلاَ تَنقُصُواْ الْمكْيَالَ والْميزَانَ ) * قيل : أي لا تنقصوا الناس من المكيال والميزات يعني مما يكال ويوزن على ذكر المحل وإرادة الحال ، واستظهر أن المراد لا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود وكذا الصنجات ، وقد تقدم في الأعراف * ( الكيل ) * بدل * ( المكيال ) * فتذكر وتأمل * ( إنِّي أَرَاكُم بخَيْر ) * أي ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما أنتم عليه بأن تتفضلوا على الناس شكراً عليها ، فإن أجل شكر النعم الإحسان والتفضل على عباد الله تعالى ، أو أراكم بخير وغنى فلا تزيبلوه بما تأتونه من الشر ، وعلى كل حال الجملة في موضع التعليل للنهي ؛ وعقب بعلة أخرى أعني قوله تعالى : * ( وَإنِّي أخَافُ عَلَيْكُمْ ) * إن لم تنتهوا عن ذلك * ( عَذَابَ يَوْم مُّحيط ) * وجوز أن يكون تعليلاً للأمر والنهي جميعاً ، وفسر المحيط بما لا يشذ منه أحد منهم ، وفسره الزمخشري ، بالمهلك أخذاً من قوله تعالى :