سيبويه

417

كتاب سيبويه

وأنتَ مَكانُك من وائِلٍ * مَكانُ القرادِ مِنِ أستِ الجَمَلْ وإنما حسن الرفعُ ههنا لأنَّه جَعَل الآخِرَ هو الأوّلَ كقولك له رأسٌ رأسُ الحِمار . ولو جَعل الآخِرَ ظرفًا جاز ولكنّ الشاعر أراد أن يشبِّهَ مكانَه بذلك المكان . وأمَّا قولهم دارى خَلْفَ دارك فرسَخاً فانتَصب لأنَّ خَلْفَ خَبَرٌ للدار وهو كلامٌ قد عَمِلَ بعضُه في بعض واستَغنى فلمَّا قال دارى خلف دارك أَبْهَمَ فلم يُدْرَ ما قدرُ ذاك فقال فرسَخاً وذِراعا ومِيلا أراد أن يبيِّنَ . فيَعملُ هذا الكلامُ في هذه الغايات بالنَّصب كما عَمل له عِشْرون درهماً في الدرهم كأَنَّ هذا الكلامَ شئٌ منَّونٌ يَعمل فيما ليس من اسمه ولا هو هو كما كان أفضلُهم رَجُلا بتلك المنزلة . وإنْ شئت قلت دارى خلفَ دارك فرسخانِ تُلْغِى خلفَ كما تُلغِى فيها إذا قلت فيها زيدٌ قائمٌ . وزعم يونسُ أنّ أبا عمرو كان يقول دارى من خَلْفِ دارك فرسخانِ فشبَّهه بقولك دارُك منّى فرسخانِ لأنَّ خلفَ ههنا اسمٌ وجَعَل مِنْ فيها بمنزلتها في الاسم . وهذا مذهبٌ قويٌّ . وأما العربُ فتَجعلُه بمنزلة قولك خَلْفَ فتَنصبُ وتَرفعُ لأنك تقول أنت من خَلْفي ومعناه أنت خَلْفي ولكنّ الكلام حَذْف . ألاَ ترى أنَّك تقول دارُك من خلفِ دارى فيَستغنى الكلامُ . وتقول أنت منّى فرسخَينِ أي أنت منّى ما دُمْنَا نَسيرُ فرسخَينِ فيكون ظرفاً كما كان ما قبله مما شُبّه بالمكان .