عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

59

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

يغبطني بها الأولون والآخرون واجعل النقلة إلى روح وريحان في جنات النعيم ولا تجعلها إلى نزول من حميم وتصلية جحيم قال الضياء توفي رحمه الله ليلة الخميس وقت عشاء الآخرة وكان صلى تلك الليلة المغرب بالجامع ثم مضى إلى البيت وكان صائما فأفطر على شيء يسير ولما جاءه الموت جعل يقول يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث واستقبل القبلة وتشهد ومات وقال سبط ابن الجوزي غسل وقت السحر وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق فما وسع الناس الجامع وصلى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد وكان يوما لم ير في الإسلام مثله كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف وآخرهم بباب الفراديس وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار قال وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف إلى قريب الميظور لو رمى الإنسان عليهم إبرة لما ضاعت فلما كان في الليل نمت وأنا متفكر في جنازته وذكرت أبيات سفيان الثوري التي أنشدها في المنام : نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي * هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى * بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر تريده * وزرني فإني منك غير بعيد وقلت أرجو أن العماد يرى ربه كما رآه سفيان عند نزل حفرته ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حلة خضراء وعمامة خضراء وهو في مكان متسع كأنه روضة وهو يرقى في درج مرتفعة فقلت يا عماد الدين كيف بت فإني والله مفكر فيك فنظر إلي وتبسم على عادته وقال : رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي * وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي فقال جزيت الخير عني فإنني * رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت زمانا تأمل الفوز والرضى * فوقيت نيراني ولقيت جنتي قال فانتبهت مرعوبا وكتبت الأبيات وتوفي رحمه الله ورضي عنه فجأة