عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

5

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

وقلت له إنما جئت لأقتبس من علومك شيئا فقال وأي علم تحب قلت الأدب فقال أن تصانيفي في الأدب كثيرة وكلما أجمع الناس على استحسان شيء أنشأت فكرتي من جنسه ما أدحض به المتقدمين ورأيت الناس مجمعين على خمريات أبي نواس فعملت كتاب الخمريات من نظمي لو عاش أبو نواس لاستحيا أن يذكر شعر نفسه ورأيتهم مجمعين على خطب ابن نباتة فصنفت كتاب الخطب وليس للناس اليوم إلا الاشتغال بخطبي وجعل يزرى على المتقدمين ويمدح نفسه ويجهل الأوائل فعجبت منه وقلت أنشدني شيئا من شعرك فأنشدني : أمزج بمسبوك اللجين * ذهبا حكته دموع عيني لما نعى ناعي الفراق * ببين من أهوى وبيني كانت ولم تقدر لشيء * قبلها إيجاب كوني فأخالها التحريم لما * شبهت بدم الحسين خفقت لنا شمسان من * لألائها في الخافقين وبدت لنا في كأسها * من لونها في حلتين فأعجب هداك الله من * كون اتفاق الضرتين في ليلة جاء السرور * بها يطالبنا بدين ومضى طليق الراح من * قد كان مغلول اليدين هي زينة الأحياء في الدنيا * وزينة كل زين فاستحسنت ذلك فقال ويلك يا جاهل ما عندك غير الاستحسان قلت فما أصنع قال اصنع هكذا ثم قام يرقص ويصفق إلى أن تعب ثم جلس وقال ما أصنع بهؤلاء الذين لا يفرقون بين الدر والبعر والياقوت والحجر فاعتذرت إليه وسألته عمن تقدم من العلماء فلم يحسن الثناء على أحد منهم فسألته عن أبي العلاء المعرى فغضب وقال ويلكم كم تسيئون الأدب بين يدي من هو ذاك الكلب الأعمى حتى يذكر بحضرتي فقلت يا سيدي أنا رجل محدث وأحب