عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
192
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
شرف الدين أبو جعفر بن البلدي قاله في العبر وقال ابن رجب صحب أبا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ الزاهد من حداثته وكمل عليه فنونا من العلوم الأدبية وغيرها وأخذ عنه التأله والعبادة وانتفع بصحبته حتى أن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم بفوطة ويلويها تحت حنكة وعليه جبة صوف وهو مخضوب بالحناء فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس وزمام جملة بيد ابن هبيرة وهو أيضا معتم بفوطة من قطن قد لواها تحت حنكه وعليه قميص قطن خام قصير الكم والذيل وكلما وصل الزبيدي موضعا أشار ابن هبيرة بمسبحته ونادى برفيع صوته لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وقال ابن الجوزي كانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض وصنف في تلك العلوم وكان شديدا في اتباع السنة وسير السلف وقال ابن رجب صنف الوزير أبو المظفر كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح في عدة مجلدات وهو شرح صحيح البخاري ومسلم ولما بلغ فيه إلى حديث ( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ) شرح الحديث وتكلم على معنى الفقه وآل به الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلدة وسموه بكتاب الافصاح وهو قطعة منه وهذا الكتاب صنفه في ولايته الوزارة واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله بحيث أنفق على ذلك مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار وحدث به واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره وقلده الوزارة وخلع عليه وخرج في أبهة عظيمة ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب بين يديه وهو راكب وحضر القراء والشعراء وكان يوما مشهودا وقرئ عهده وخوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدين جلال الإسلام صفى الأمام