عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

14

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

في رمضان بين شيراز والعراق وله إحدى وخمسون سنة قال في العبر وليس في العالم أشعر منه أبدا وأما مثله فقليل وقال ابن الأهدل قدم الشام في صباه واشتغل في فنون الأدب ومهر فيها وتضلع من علم اللغة قال له أبو علي الفارسي صاحب الإيضاح والتكملة كم لنا من الجموع على وزن فعلى فقال له المتنبي سريعا حجلى وظربى قال الفارسي ففتشت كتب اللغة ثلاث ليال فلم أجد لهما ثالثا حجلى جمع حجل وهو الطائر المسمى بالقبج وظربى جمع ظربان كقطران وهي دابة منتنة الرائحة ومن الناس كثير يرجحون المتنبي على أبي تمام ومن بعده ورزق سعادة في شعره واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه أكثر من أربعين شرحا مدح جماعة من الملوك ووصله ابن العميد بثلاثين ألفا وأتاه من عضد الدولة صاحب شيراز مثلها وسمي المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من كلب وأخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الأخشيدية فأسره واستتابه وتفرق أصحابه وكان كافور الإخشيدي يقول لما هجاه من ادعى النبوة إما يدعى الملك وكان العلماء يحضرون مجلس سيف الدولة ويتناظرون كل ليلة فوقع بين المتنبي وابن خالويه ليلة كلام فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح فشجه فخرج ودمه يسيل على وجهه فغضب وخرج إلى كافور فلما صدر منه قصد بلاد فارس بالمشرق ومدح عضد الدولة الديلمي فأجزل جائزته فلما رجع من عنده عرض له فاتك بن أبي جهل فقتل المتنبي وابنه محسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية على ميلين من دير العاقول ثم رأى المتنبي الغلبة ففر فقال له الغلام لا يتحدث عنك بفرار وأنت القائل : الخيل والليل والبيداء تعرفني * والطعن والضرب والقرطاس والقلم فكر راجعا فقتل ويحكى أن المعتضد صاحب قرطبة أنشد يوما بيت المتنبي : إذا ظفرت منك العيون بنظرة * أبان لها معنى المطي ورازمه وجعل يردده فأنشده ابن وهبون الأندلسي بديها : لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما * تجيد العطايا واللهى تفتح اللهى تنبأ عجبا بالقريض ولو درى * بأنك تروي شعره لتألها