عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

72

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

أربعين رطلا من حديد وأريد منه القول بذلك فامتنع فحبس ببغداد على تلك الحالة إلى أن مات يوم الجمعة قبل الصلاة وكان في كل جمعة يغسل ثيابه ويتنظف ويغتسل ويتطيب ثم يمشي إذا سمع النداء إلى باب السجن فيقول له السجان ارجع رحمك الله فيقول البويطي اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني انتهى ملخصا وفيها أبو تمام الطائي حبيب بن أوس الحوراني مقدم شعراء العصر توفي في آخر السنة كهلا سئل الشريف الرضي عن أبي تمام والبحتري والمتنبي فقال أما أبو تمام فخطيب منبر وأما البحتري فواصف جؤذر وأما المتنبي فقائد عسكر وقال أبو الفتح بن الأثير في كتاب المثل السائر يصف الثلاثة وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين وفصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وكلمة الحكماء أما أبو تمام فرب معان وصيقل ألباب وأذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر فهو غير مدافع عن مقام الأغراب الذي يبرز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقول فيه إلا عن تنقيب وتنقير فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنة الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت حزام فخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم ففوق كل ذي علم عليم وأما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى وأراد أن يشعر فغنى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الاطلاق فبينا يكون في شظف نجد حتى يتشبب بريف العراق وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري قال ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه من الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية وأما أبو الطيب المتنبي فأراد أن يسلك مسلك أبي تمام