عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

351

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

الإتقان ثم اشتغل بعلوم الحكمة ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور وهو شيخ كبير وكان يعلم الناس فن المنطق وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية ويجتمع في حلقته خلق كثير من المشتغلين وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق ويملي على تلامذته شرحه فكتب عنه في شرحه سبعون سفرا ولم يكن في ذلك الوقت مثله أحد في فنه وكان حسن العبارة في تأليفه وكان يستعمل في تصانيفه البسط والتذييل حتى قال بعض علماء هذا الفن ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من بشر يعني المذكور وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته فأقام أبو نصر برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران وفيها يوحنا بن جيلان الحكيم النصراني فأخذ عنه طرفا من المنطق أيضا ثم إنه قفل إلى بغداد راجعا وقرأ بها علوم الفلسفة وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها ويقال إنه وجد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخط أبي نصر الفارابي قرأت السماع الطبيعي لأرسطاطاليس أربعين مرة وأرى أني محتاج إلى معاودة قراءته ورأيت في بعض المجاميع أن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف وكان سلطان الشام يومئذ فدخل عليه وهو بزي الأتراك وكان ذلك زيه دائما فقال له سيف الدولة اقعد فقال حيث أنا أم حيث أنت ثم تخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يسارهم به قل أن يعرفه أحد فقال لهم بذلك اللسان إن هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني مسائله عن أشياء إن لم يعرفها فاخرقوا به فقال له أبو نصر بذلك اللسان أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها فعجب سيف الدولة منه وقال له أتحسن هذا اللسان قال نعم أحسن أكثر من سبعين لسانا فعظم عنده ثم أخذ يتكلم مع العلماء