الآلوسي
27
تفسير الآلوسي
فرس عتيق " وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، واختاره الطبري وإذا صح الحديث لا ينبغي العدول عنه ، وقوله سبحانه : * ( لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ) * أي لا تعرفونهم بأعيانهم * ( اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) * لا غير في غاية الظهور وله وجه على غير ذلك وإطلاق العلم على المعرفة شائع وهو المراد هنا كما عرفت ولذا تعدى إلى مفعول واحد ، وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضر . نعم منع الأكثر إطلاق المعرفة عليه سبحانه وجوزه البعض بناءً على إطلاق العارف عليه تعالى في " نهج البلاغة " وفيه بحث ، وبالجملة لا حاجة إلى القول بأن الإطلاق هنا للمشاكلة لما قبله ، وجوز أن يكون العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف أي لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم بل الله تعالى يعلمهم كذلك وهو تكلف ، واختار بعضهم أن المعنى لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وقال : إنه الأنسب بما تفيده الجملة الثانية من الحصر نظراً إلى تعليق المعرفة بالأعيان لأن أعيانهم معلومة لغيره تعالى أيضاً وهو مسلم نظراً إلى تفسيره ، وأما الاحتياج إليه في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ففيه تردد . * ( وَمَا تُنْفقُوا منْ شَيْء ) * جل أو قل * ( في سَبيل اللَّه ) * وهي وجوه الخير والطاعة ويدخل في ذلك النفقة في الإعداد السابق والجهاد دخولاً أولياً ، وبعضهم خصص اعتباراً للمقام * ( يُوَفَّ إلَيْكُمْ ) * أي يؤدي بتمامه والمراد يؤدي إليكم جزاؤه فالكلام على تقدير المضاف أو التجوز في الإسناد * ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) * بترك الإثابة أو بنقص الثواب ، وفي التعبير عن ذلك بالظلم مع أن له سبحانه أن يفعل ما يشاء للمبالغة كما مر . * ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * . * ( وَإنْ جَنَحُوا ) * الجنوح الميل ومنه جناح الطائر لأنه يتحرك ويميل ويعدى باللام وبالى أي وإن مالوا * ( للسَّلْم ) * أي الاستسلام والصلح . وقرأ ابن عباس . وأبو بكر . بكسر السين وهو لغة * ( فَاجْنَحْ لَهَا ) * أي للسم ، والتأنيث لحمله على ضده وهو الحرب فإنه مؤنث سماعي . وقال أبو البقاء : إن السلم مؤنث ولم يذكر حديث الحمل وأنشدوا : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب تكفيك من أنفاسها جرع وقرأ الأشهب العقيلي * ( فاجنح ) * بضم النون على أنه من جنح يجنح كقعد يقعد وهي لغة قيس والفتح لغة تميم وهي الفصحى ، والآية قيل مخصوصة بأهل الكتاب فإنها كما قال مجاهد . والسدي نزلت في بني قريظة وهي متصلة بقصتهم بناءً على أنهم المعنيون بقوله تعالى : * ( الذين عاهدت ) * ( الأنفال : 56 ) الخ ، والضمير في * ( وأعدوا لهم ) * لهم ، وقيل : هي عامة للكفار لكنها منسوخة بآية السيف لأن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف بخلاف غيرهم فإنه تقبل منهم الجزية ، وروي القول بالنسخ عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة ، وصحح أن الأمر فيمن تقبل منهم الجزية على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً ، وادعى بعضهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثر من عشر سنين اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة هذه المدة ثم إنهم نقضوا قبل انقضائها كما مر فتذكر ، * ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه ) * أي فوض أمرك إليه سبحانه ولا تخف أن يظهروا لك السلم وجوانحهم مطوية على المكر والكيد * ( إنَّهُ ) * جل شأنه * ( هُوَ السَّميعُ ) * فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع * ( الْعَليمُ ) * فيعلم نياتهم