ابن قتيبة الدينوري
551
الشعر والشعراء
ثم تمادى به الأمر ، حتّى ذهب عقله ، وهام مع الوحش ، فكان لا يلبس ثوبا إلا خرّقه ، ولا يعقل شيئا إلا أن تذكر له ليلى ، فإذا ذكرت ثاب وتحدّث عنها لا يسقط حرفا . فسعى عليهم نوفل بن مساحق ، فنزل مجمعا من تلك المجامع ، فرآه عريانا يلعب بالتراب ، فكساه ثوبا ، فقال له قائل : وهل تدرى من هذا أصلحك اللَّه ؟ قال : لا ، قال : هذا المجنون ( قيس بن الملوّح ) ، ما يلبس الثياب ولا يريدها ، فدعا به فكلَّمه ، فجعل يجيبه عن غير ما يكلَّمه به ، فقالوا له : إن أردت أن يكلَّمك كلاما صحيحا فاذكر له ليلى وسله عن حبّه لها ، ففعل فأقبل عليه المجنون يحدّثه بحديثها وينشده شعره فيها ، فقال له نوفل : الحبّ صيّرك إلى ما أرى ؟ قال : نعم ، وسينتهى بي إلى أشدّ مما ترى ، قال أتحبّ أن أزوّجكها ؟ قال : نعم وهل إلى ذلك من سبيل ! قال : انطلق معي حتى أقدم بك عليها فأخطبها لك وأرغَّب لك في المهر ، قال : أفتراك فاعلا ؟ قال : نعم ، قال : انظر ما تقول ! قال : علىّ أن أفعل بك ذلك ، فارتحل معه ، ودعا له بثياب فلبسها المجنون ، وراح معه كأصحّ أصحابه ، يحدّثه وينشده ، فبلغ ذلك قومها فتلقّوه بالسلاح ، وقالوا له : واللَّه يا بن مساحق ، لا يدخل المجنون منزلنا أبدا أو نموت ، وقد هدر السلطان دمه ، فأقبل بهم وأدبر ، فأبوا ، فلمّا رأى ذلك قال للمجنون : انصرف ، قال المجنون : واللَّه ما وفيت بالعهد ، قال : انصرافك أيسر علىّ من سفك الدماء ، فانصرف . 986 * وفى ذلك يقول : يا صاحبيّ ألَّما بي بمنزلة * قد مرّ حين عليها أيّما حين في كلّ منزلة ديوان معرفة * لم يبق باقية ذكر الدّواوين ( 1 )
--> ( 1 ) س ف « رسم الدواوين » .