ابن قتيبة الدينوري

76

الشعر والشعراء

لانتقالهم ( 1 ) عن ماء إلى ماء ، وانتجاعهم الكلأ ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان . ثم وصل ذلك بالنسيب ، فشكا شدّة الوجد وألم الفراق ، وفرط الصبابة ( 2 ) والشوق ، ليميل نحوه القلوب ، ويصرف إليه الوجوه ، وليستدعى ( به ) إصغاء الأسماع ( إليه ) ، لأنّ التشبيب ( 3 ) قريب من النفوس ، لائط بالقلوب ، لما ( قد ) جعل الله في تركيب العباد من محبّة الغزل ، وإلف النساء ، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلَّقا منه بسبب ، وضاربا فيه بسهم ، حلال أو حرام . فإذا ( علم أنّه قد ) استوثق من الإصغاء إليه ، والاستماع له ، عقّب بإيجاب الحقوق ، فرحل في شعره ، وشكا النّصب والسّهر ، وسرى الليل وحرّ الهجير ، وإنضاء الراحلة والبعير . فإذا علم أنّه ( قد ) أوجب على صاحبه حقّ الرجاء ، وذمامة ( 4 ) التأميل ، وقرّر عنده ما ناله من المكاره في المسير ، بدأ في المديح ، فبعثه على المكافأة ، وهزّه للسّماح ( 5 ) ، وفضّله على الأشباه ، وصغّر في قدره الجزيل . 53 * فالشاعر المجيد من سلك هذه الأسالب ، وعدّل بين هذه الأقسام ، فلم يجعل واحدا منها أغلب على الشعر ، ولم يطل فيملّ السامعين ، ولم يقطع وبالنفوس ظمآء إلى المزيد . 54 * فقد كان بعض الرّجّاز أتى نصر بن سيّار والى خراسان لبنى أميّة ( 6 ) ،

--> ( 1 ) س ب « لانتجاههم الكلأ وانتقالهم » . ( 2 ) س ب « فشكا شدة الشوق وألم الوجد والفراق ، وفرط الصبابة » . ( 3 ) س ب « لأن النسيب » . ( 4 ) الذمامة ، بفتح الذال وكسرها : الحق والحرمة . وفى س ب « وذمام » وهى بكسر الذال بمعنى الذمامة . ( 5 ) س ب « على السماح » . ( 6 ) ولى نصر بن سيار خراسان سنة 125 ه ولاه إياها الوليد بن يزيد بن عبد الملك .