ابن قتيبة الدينوري

64

الشعر والشعراء

صلى اللَّه عليه وسلم ، وجلَّة التابعين ، وقوما كثيرا من حملة العلم ، ومن الخلفاء والأشراف ، ونجعلهم في طبقات الشعراء . 12 * ولم أسلك ، فيما ذكرته من شعر كلّ شاعر مختارا له ، سبيل من قلَّد ، أو استحسن باستحسان غيره . ولا نظرت إلى المتقدّم منهم بعين الجلالة لتقدمه ، وإلى المتأخّر ( منهم ) بعين الاحتقار لتأخّره . بل نظرت بعين العدل على الفريقين ، وأعطيت كلا حظَّه ، ووفّرت عليه حقّه . 13 * فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدّم قائله ، ويضعه في متخيّره ، ويرذل الشعر الرصين ، ولا عيب له عنده إلَّا أنّه قيل في زمانه ، أو أنّه رأى قائله . 14 * ولم يقصر الله العلم والشعر ( 1 ) والبلاغة على زمن دون زمن ، ولا خصّ به قوما دون قوم ، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كلّ دهر ، وجعل كلّ قديم حديثا في عصره ، وكلّ شرف خارجيّة ( 2 ) في أوّله ، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين . وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : لقد كثر هذا المحدث وحسن حتّى لقد هممت بروايته . 15 * ثمّ صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم ، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا ، كالخريمىّ والعتّابىّ والحسن بن هانىء وأشباههم . فكلّ من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه ( له ) ، وأثنينا به عليه ، ولم يضعه عندنا تأخّر قائله أو فاعله ، ولا حداثة سنّه . كما أنّ الرّدىء إذا ورد علينا للمتقدّم ( 3 ) أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه . 16 * وكان حقّ هذا الكتاب أن أودعه الأخبار عن جلالة قدر الشعر وعظيم

--> ( 1 ) ف ه س « الشعر والعلم » . ( 2 ) ف س « وكل شريف خارجيا » . والخارجي : الذي يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم . ومنه الخارجية ، وهى خيل لا عرق لها في الجودة ، فتخرج سوابق ، وهى مع ذلك جياد . ( 3 ) ف س « للمقدم » .