ابن قتيبة الدينوري

495

الشعر والشعراء

وأمر بإخراجه . 888 * قال حماد الراوية ( 1 ) : قال لي كثيّر : ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر ؟ قلت : تخبرني ، قال : شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ، وكلّ واحد منّا يدلّ عليه بسابقة له وإخاء ، ونحن لا نشكّ أنه يشركنا ( 2 ) في خلافته ، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة ( 3 ) لقينا مسلمة ابن عبد الملك ( جائيا من عنده ) ، وهو يومئذ فتى العرب ، فسلَّمنا ( عليه ) فردّ ( علينا السلام ) ، ثم قال : أما بلغكم أنّ إمامكم لا يقبل الشعر ؟ قلنا : ما وضح لنا خبر حتّى انتهينا إليك ( 4 ) ، ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا ، فقال : إن يك ذو دين بنى مروان ولى وخشيتم حرمانه فإنّ ذا دنياها قد بقي ، ولكم عندي ما تحبّون ، وما ألبث حتى أرجع إليكم فأمنحكم ما أنتم أهله ، فلما قدم كانت رحالنا عنده ، فأكرم منزل ( 5 ) وأفضل منزول به ، فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره ، فلم يؤذن لنا ، إلى أن قلت في جمعة من تلك الجمع : لو أنى دنوت من عمر فسمعت كلامه فتحفّظته كان ذلك رأيا ، ففعلت ، فكان ما حفظت من قوله يومئذ : لكلّ سفر زاد لا محالة ، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التّقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه فترغبوا وترهبوا ، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم ، في كلام كثير ، ثم قال : أعوذ بالله أنّ آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتى وتظهر

--> ( 1 ) القصة بتمامها في العقد الفريد 1 : 152 - 154 عن حماد الراوية . ورواها صاحب الأغانى 8 : 147 - 149 بإسنادين عن حماد . ( 2 ) ه س ف والعقد « سيشركنا » . ( 3 ) خناصرة ، بضم الخاء المعجمة : بليدة من أعمال حلب تحاذى قنسرين نحو البادية . ( 4 ) س ف « حتى لقيناك » . ( 5 ) ب س ف والعقد « بأكرم منزل » .