ابن قتيبة الدينوري
458
الشعر والشعراء
796 * وكان ( من ) أحسن الناس تشبيبا . حدثني سهل ( بن محمد ) عن الأصمعىّ قال : سمعت الحىّ يتحدّثون أنّ جريرا قال : لولا ما شغلني من هذه الكلاب لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها كما تحنّ النّاب إلى سقبها . 797 * وكان من أشدّ الناس هجاء . وحدثني عبد الرحمن الأصمعىّ قال : أخبرنا شيخ من أهل البصرة قال : مرّ راعى بالإبل في سفر فسمع إنسانا يتغنّى ( على قعود له ) بشعر جرير ، وهو قوله : وعاو عوى من غير شئ رميته * بقافية أنفاذها تقطر الدّما خروج بأفواه الرّواة كأنّها * قرى هندوانّى هزّ صمّما ( فقال : لمن هذا ؟ قيل : لجرير ) ، فقال الراعي : لعنة الله على من يلومنى أن يغلبني مثل هذا ! 798 * وكان مع حسن تشبيبه عفيفا ، وكان الفرزدق فاسقا ، وكان يقول : ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعري ، وما أحوجني إلى رقّة شعره ، لما ترون . 799 * وأخبرنا عبد الرحمن قال : أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال : كنت قاعدا عند جرير وهو يملى : ودّع أمامة حان منك رحيل * إنّ الوداع لمن تحبّ قليل فمرّت به جنازة ، فترك الإنشاد وقال : شيّبتنى هذه الجنائز ، قلت : فلأىّ شئ تشتم الناس ؟ قال : يبدؤوننى ثم لا أعفو ، ( قال ) : وكان يقول : أنا لا أبتدى ولكن أعتدى ( 1 ) .
--> ( 1 ) في اللسان في قوله تعالى : * ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) * : « سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء ، فسمى بمثل اسمه ، لأن صورة الفعلين واحدة » .