ابن قتيبة الدينوري
34
الشعر والشعراء
الوفاء بوعدي ، ثم أنسيته حين رجوت أخي الأستاذ عبد السلام هارون أن يتم الكتاب في أواخر الجزء الثاني ، إذ اعتزمت السفر مع أهلي إلى الحج . فشغلنى ذلك عن كل شئ ، حتى أنساني ما وعدته به . ووعد بوعد : فكما وعدت الأستاذ السيد صقر بنشر نقده الجزء الأول في آخر الجزء الثاني ، وعدني هو - بعد رجائي - أن يقابل النسخة المطبوعة بتحقيقى على النسخ المخطوطة التي أشار إليها في مقاله الأول ، وعلى ما قد عساه يوجد من مخطوطات أخر من الكتاب ، ويثبت ما يجده من تصويب أو اختلاف ، تمهيدا لتحقيق الكتاب مرة أخرى ، لنخرجه في الطبعة القادمة إن شاء الله متعاونين مشتركين . حتى نؤدى الأمانة حقها . ولعله حريص على الوفاء إن شاء الله ( 1 ) . ولقد زعم كثير من إخواننا ، ووصل إلىّ ذلك : أنى ضقت بنقد الأستاذ السيد صقر في المرتين . وما أظن الذي زعم ذلك أو توهمه يعرف شيئا من خلقي . فما ضاق صدري بشئ من نقد قط ، لان أو قسا ، والعلم أمانة . بل إني لأرى أن الضيق بالنقد والتسامى عليه ليس من أخلاق العلماء ، وليس من أخلاق المؤمن . إنما هو الغرور العلمي ، والكبرياء الكاذبة . وحسبنا في ذلك قول الله تعالى : * ( وإِذا قِيلَ لَه اتَّقِ الله أَخَذَتْه الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ) * [ البقرة : 206 ] . وما قال أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب ، إذ ردّت عليه امرأة ، وهو على المنبر يخطب خير مجتمع ظهر على وجه الأرض ، قال كلمة صريحة بينة : « امرأة أصابت ورجل أخطأ » . لم تأخذه العزة بالإثم ، وتسامى على الكبرياء والغرور العلمي ، وعمر هو عمر . ثم ما هذه الفاشية المنكرة التي فشت بين المنتسبين للعلم ؟ سأتحدث عن نفسي مضطرا حتى لا أمسّ غيرى : أنا أرى أن من حقي أن أنقد من أشاء ، وأن أقسو في النقد ما أشاء ، فمن ذا الذي يزعم لي ، أو يزعم لنفسه ، أن ينقد الناس ، وأن يقسو عليهم في النقد ، ثم يرى
--> ( 1 ) وهو إلى الآن لم يفعل ، أحمد محمد شاكر .