ابن قتيبة الدينوري
237
الشعر والشعراء
أفق السماء ، وراحت الإبل حدبا حدابير ( 1 ) ، وضنّت المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة ، وجلفت السنة المال ( 2 ) ، وأيقنّا أنّه الهلاك . فوالله إني لفى ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطَّرفين ( 3 ) ، إذ تضاغى أصيبيتنا ( 4 ) من الجوع ، عبد الله وعدىّ وسفّانة ، فقام حاتم إلى الصبيّين ، وقمت إلى الصبيّة ، فوالله ما سكنوا إلَّا بعد هدأة من الليل ، ثم ناموا ونمت أنا معه ، وأقبل يعلَّلنى بالحديث ، فعرفت ما يريد ، فتناومت ، فلمّا تهوّرت النجوم ( 5 ) إذا شئ قد رفع كسر البيت ( 6 ) ، فقال : من هذا ؟ فولَّى ثم عاد ، فقال : من هذا ؟ فولَّى ثم عاد في آخر الليل ، فقال : من هذا ؟ فقالت : جارتك فلانة ، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع ، فما وجدت معوّلا إلَّا عليك أبا عدىّ ، فقال : واللَّه لأشبعنّهم ، فقلت : من أين ؟ قال : لا عليك ، فقال : أعجليهم فقد أشبعك الله وإيّاهم ، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشى جانبيها أربعة ، كأنّها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبّته بمديته ، فخرّ ، ثم كشطه ، ودفع المدية إلى المرأة فقال : شأنك ( الآن ) ، فاجتمعنا على اللحم ، فقال : سوأة ! أتأكلون دون الصّرم ؟ ! ( 7 ) ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول ؛ هبّوا أيّها القوم ،
--> ( 1 ) الحدب : جمع حدباء ، وهى التي بدت حراقفها وعظم ظهرها . الحدابير : جمع حدبار وحدبير ، بكسر الحاء فيهما ، وهى العجفاء الضامرة التي قد يبس لحمها من الهزال . ( 2 ) جلفت : أصل الجلف : القشر ، فكأن السنة قشرت المال ، والجالفة : السنة التي تذهب بأموال الناس . ( 3 ) الصنبر : الباردة ، وليل الشتاء طويل ، ويزيده الجوع طولا . ( 4 ) نص في اللسان على أنه « قد جاء في الشعر أصيبية ، كأنه تصغير أصيبة » . وقد جاء هنا في النثر أيضا . ( 5 ) تهورت النجوم : ذهب أكثرها . ( 6 ) كسر البيت : أسفل الشقة التي تلى الأرض من الخباء من حيث يكسر جانباه من عن يمين ويسار . ( 7 ) الصرم ، بالكسر : الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس .