الآلوسي
70
تفسير الآلوسي
تحرير السؤال والجواب مما تمجه أسماع ذوي الألباب . وقال عطية العوفي : المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأريد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء ، أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب الجزية عليهم ، وفي الكلام على هذا حذف مضاف وهو الأولاد ، ويحتمل أن لا يكون هناك وهو من تعيير الأبناء بما فعل الآباء ، ومثله في القرآن كثير . وقيل : المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم وبالغضب الغضب الأخروي وبالذلة الجزية التي وضعها الإسلام عليهم أو الأعم منها ليشمل ما ضربه بختنصر عليهم . وتعقب ذلك أيضاً بأنه لا ريب في أن توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه ، والمراد بالمفترين المفترون على الله تعالى ، وافتراء أولئك عليه سبحانه قول السامري في العجل هذا إلهكم وإله موسى ورضاهم به ولا أعظم من هذه الفرية ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم . وعن سفيان بن عيينة أنه قال : كل صاحب بدعة ذليل وتلا هذه الآية . * ( والَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( والَّذينَ عَملُوا السَّيِّئَات ) * أي سيئة كانت لعموم المغفرة ولأنه لا داعي للتخصيص * ( ثُمَّ تَابُوا ) * عنها * ( منْ بَعْدَها ) * أي من بعد عملها وهو تصريح بما تقتضيه ثم * ( وَآمَنُوا ) * أي واشتغلوا بالإيمان وما هو مقتضاه وبه وتمامه من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى ، وهو عطف على تابوا ، ويحتمل أن يكون حالاً بتقدير قد ، وإياً ما كان فهو على ما قيل : من ذكر الخاص بعدم العام للاعتناء به لأن التوبة عن الكفر هي الإيمان فلا يقال : التوبة بعد الإيمان كيف جاءت قبله . وقيل : حيث كان المراد بالإيمان ما تدخل فيه الأعمال يكون بعد التوبة . وقيل : المراد به هنا التصديق بأن الله تعالى يغفر للتائب أي ثم تابوا وصدقوا بأن الله تعالى يغفر لمن تاب * ( إنَّ رَبَّكَ منْ بَعْدهَا ) * أي من بعد التوبة المقرونة بما لا تقبل بدونه وهو الإيمان ، ولم يجعل الضمير للسيئات لأنه كما قال بعض المحققين لا حاجة له بعد قوله سبحانه : * ( ثم تابوا من بعدها ) * لا لأنه يحتاج إلى حذف مضاف ومعطوف من عملها والتوبة عنها لأنه لا معنى لكونه بعدها إلا ذلك * ( لَغَفُورٌ ) * لذنوبهم وإن عظمت وكثرت * ( رَحيمٌ ) * مبالغ في إفاضة فنون الرحمة عليهم ، والموصول مبتدأ وجملة * ( إن ربك ) * الخ خبر والعائد محذوف ، والتقدير - عند أبي البقاء - لغفور لهم رحيم بهم ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف ، وقيل : الخطاب للتائب ، ولا يخفى لطف ذلك أيضاً ، وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل ، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن * فبمن يلوذ ويستجير المجرم ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت الرجا ربي لعفوك سلماً تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظماً