الآلوسي
7
تفسير الآلوسي
وعلى هذا تفسير قتادة ، ورد الراغب غنى بمعنى أقام إلى هذا المعنى فقال : غنى بالمكان طال مقامه فيه مستغنياً به عن غيره ، وقول بعضهم في بيان الآية : إنهم استؤصلوا بالمرة بيان لحاصل المعنى ، وفي بناء الخبر على الموصول إيماء إلى أن علة الحكم هي الصلة فكأنه قيل : الذي كذبوا شعيباً هلكوا لتكذيبهم إياه هلاك الأبد ، ويشعر ذلك هنا بأن مصدقيه عليه السلام نجوا نجاة الأبد ، وهذا مراد من قال بالاختصاص في الآية ، وقيل : إنه مبني على أن مثل هذا التركيب كما يفيد التقوى قد يفيد الاختصاص نحو * ( الله يبسط الرزق ) * ( الرعد : 26 ) والقرينة عليه هنا أنه سبحانه ذكر فيما سبق المؤمنين والكافرين ولم يذكر هنا الإهلاك المكذبين ، ويرجع حاصل المعنى بالآخرة إلى أنهم عوقبوا بتوعدهم السابق بالإخراج وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجاً لا دخول بعده دون شعيب عليه السلام ومن معه ، وقوله تعالى : * ( الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسرينَ ) * استئناف آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير ، واستفادة الحصر هنا أوشح من استفادته فيما تقدم ، أي الذين كذبوه عليه السلام عوقبوا بقولهم * ( لئن اتبعتهم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ) * فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدين لتكذيبهم لا المتبعون له عليه السلام المصدقون إياه عليه السلام ، وبهذا القصر اكتفى عن التصريح بالانجاء كما وقع في سورة هود من قوله تعالى : * ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه ) * ( هود : 94 ) الخ ، وفي " الكشاف " أن في هذا الاستئناف وتكرير الموصول والصلة مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم بقومهم واستعظام لما جرى عليهم . وأنت تعلم أن في استفادة ذلك كله من نفس هذه الآية خفاء ، والظاهر أن مجموع الاستئنافين مؤذن به . وبين الطيبي ذلك بأنه تعالى لما رتب العقاب بأخذ الرجفة وتكرهم هامدين لا حراك بهم على التكذيب والعناد اتجه لسائل أن يسأل إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجثوم ؟ فقيل : * ( الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ) * أي إنهم استؤصلوا وتلاشت جسومهم كأن لم يقيموا فيها . ثم سأل أخصص الدمار بهم أم تعدى إلى غيرهم ؟ فقيل : * ( الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين ) * أي اختص بهم الدمار فجعلت الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر كقوله : أن التي ضربت بيتاً مهاجرة * بكوفة الجند غالبت ودها غول وكذلك بولغ في الإخبار عن دمار القوم وجئ بتقوى الحكم والتخصيص وجعلت الصلة الثانية علة لوجود الخبر ، وجاء تسفيه الرأي من الرد عليهم بعين ما تلفظوا به في نصح قومهم ، والاستهزاء من الإشارة إلى أن ما جعلوه نصيحة صار فضيحة وانعكس الحال الذي زعموه ؛ ويستفاد عظم الخسران من تعريف الخبر بلام الجنس . وأما استعظام ما جرى فمن قوله سبحانه : * ( كأن لم ) * الخ وكذا من مجموع الكلام ، ولا يخفى أن القول بالاستئناف البياني في الجملتين وجعل الصلة الأولى ذريعة إلى تحقيق الخبر ليس بشيء ، وقد ذكر غير واحد أن هذا الاستئناف من غير عطف جار على عادة العرب في مثل هذا المقام فإن عادتهم الاستئناف كذلك في الذم والتوبيخ فيقولون : أخوك الذين نهب مالنا أخوك الذي هتك سترنا أخوك الذي ظلمنا ، وجوز أبو البقاء أن يكون الموصول الثاني بدلاً من الضمير في * ( يغنوا ) * وأن يكون في محل نصب بإضمار أعني ، وأن يكون الأول مبتدأ والخبر * ( الذين كذبوا شعيباً كانوا ) * و * ( كأن لم يغنوا ) * حال من ضمير * ( كذبوا ) * وأن يكون الأول صفة للذين كفروا أو بدلاً منه وعلى الوجهين يكون * ( كأن لم ) * الخ حالاً ، وما اخترناه هو الأولى كما هو ظاهر فليتدبر . [ بم وقوله سبحانه : * ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ عسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ) * . * ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رَسَالَات رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ ) * تقدم الكلام على