الآلوسي

4

تفسير الآلوسي

* ( إنْ عُدْنَا في ملَّتكُمْ ) * التي هي الشرك وزعمنا كما زعمتم أن لله سبحانه نداً تعالى عن ذلك علواً كبير . * ( بَعْدَ إذ نَجَّيْنَا اللَّهُ منْهَا ) * وعلمنا بطلانها وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي إن عدنا في ملتكم فقد افترينا ، واستشكل ذلك بأن الظاهر فيما إذا كان الجواب مثل ما ذكر أن يتعلق ظهوره والعلم به بالشرط نحو * ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) * ( يوسف : 77 ) و * ( إلا تنصروه فقد نصر الله ) * ( التوبة : 40 ) وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس ، والمقصود هنا تقييد نفس الافتراء بالعود ، ولفظ قد وصيغة الماضي يمنعانه ، والجواب ما أشار إليه الزمخشري من أنه من باب الإخراج لا على مقتضى الظاهر وإيثار قد والماضي الدالين على التأكيد إما لأنه جواب قسم مقدر أو لأنه تعجيب على معنى ما أكذبنا أن عدنا الخ . ووجه التعجيب أن المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر لأن الكافر مفتر على الله تعالى الكذب حيث يزعم أن لله سبحانه نداً ولا ندله والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل والحمل على التعجب على ما في " الكشف " أولى لأن حذف اللام ضعيف ، وجوز أبو حيان تبعاً لابن عطية أن يكون الفعل المذكور قسماً كما يقال برئت من الله تعالى إن فعلت كذا وكقول مالك بن الأشتر النخعي : أبقيت وفري وانحرفت عن العلا * ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارة * لم تخل يوماً من ذهاب نفوس وهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من أصحاب البديعيات ، ومثله عز الدين الموصلي بقوله : برئت من سلفي والشم من هممي * إن لم أدن بتقي مبرورة القسم والباعونية بقولها : لأمكنتني المعالي من سيادتها * إن لم أكن لهم من جملة الخدم * ( ومَا يَكُونُ لَنَا ) * أي ما يصح لنا وما يقع فيكون تامة ، وقد يأتي ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق . * ( أَن نعُودَ فيهَا ) * في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات * ( إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبّنَا ) * أي إلا حال أو وقت مشيئة الله لعودنا ، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك الذي لا يسأل عما يفعل . * ( وَسعَ رَبُّنَا كُلُّ شَيّء علماً ) * فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل عليها ، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرين ، وفيه من الانقطاع إلى الله تعالى ما لا يخفى ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : * ( عَلَى الله تَوَكَّلْنَا ) * فإن التوكل عليه سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه ، وإظهار الاسم الجليل للمبالغة ، وتقديم المعمول لإفادة الحصر . وفي الآية دلالة على أن لله تعالى أن يشاء الكفر . وادعى شيخ الإسلام أن المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله تعالى العود وهيهات ذلك ، ولا يكاد يكون كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية ، وقولهم : * ( بعد إذ نجانا الله ) * فإن تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها ، وفرع على قوله تعالى : * ( وسع ) * الخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن لطفاً وهو وجه في الآية ، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى ، ولا يرد على تقدير العود مفعولاً للمشيئة أنه ليس لذلك سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى ، بل كان المناسب ذكر شمول