الآلوسي

30

تفسير الآلوسي

* ( يُورثُهَا مَنْ يَشَاءُ منْ عبَاده وَالعَاقبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * الذين أنتم منهم ، وحاصله أنه ليس الأمر كما قال فرعون : * ( إنا فوقهم قاهرون ) * ( الأعراف : 127 ) فإن القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله ولمن وعده الله تعالى توريث الأرض وأنا ذلكم الموعود الذي وعدكم الله تعالى النصرة به وقهر الأعداء وتوريث أرضهم ، وقوله : * ( والعاقبة ) * الخ تقرير لما سبق . وقرأ أبي . وابن مسعود * ( والعاقبة ) * بالنصب عطفاً على اسم أن . * ( قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) * . * ( قَالُوا ) * أي قوم موسى له عليه السلام * ( أُوذينَا ) * من جهة فرعون * ( منْ قَبْل أَنْ تَأْتيَنَا ) * بالرسالة يعنون بذلك قتل الجبار أولادهم قبل مولده . وبعده إذ قيل له : يولد لبني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويكون هلاكك على يديه * ( وَمنْ بَعْدمَا جِئْتَنَا ) * أي رسولاً يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والعذاب ، وقيل : إن نفس ذلك الإيعاد إيذاء ، وقيل : جعل أيعاده بمنزلة فعله لكونه جباراً . وقيل : أرادوا الإيذاء بقتل الأبناء قبل مولد موسى عليه السلام وبعد مولده ، وقيل : المراد ما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ، وتعقب بأن ذلك ليس مما يلحقهم بواسطة موسى عليه السلام فليس لذكره كثير ملاءمة بالمقام ، والظاهر أنه لا فرق بين الاتيان والمجيء وإن الجمع بينهما للتفنن والبعد عن التكرار اللفظي فإن الطباع مجبولة على معاداة المعادات ، ولذلك جيء بأن المصدرية أولاً وبما أختها ثانياً . وذكر الجلال اليوطي في الفرق بينهما أن الإتيان يستعمل في المعاني والأزمان والمجيء في الجواهر والأعيان وهو غير ظاهر هنا إلا أن يتكلف ، ونقل عن الراغب في الفرق بينهما أن الاتيان هو المجيء بسهولة فهو أخص من مطلق المجيء وهو كسابقه هنا أيضاً ، وهذا منهم جار مجري التحزن لعدم الاكتفاء بما كنى لهم عليه السلام لفرط ما عراهم وفظاعة ما اعتراهم ، والمقام يقتضي الإطناب فإن شأن الحزين الشاكي إطالة الكلام رجاء أن يطفئ بذلك بعض الأوام ، وقيل : هو استبطاء منهم لما وعدهم عليه السلام أن النجاة والظفر والأول أولى فقوله تعالى : * ( قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلكَ عَدُوَّكُمْ ) * الذي فعل بكم ما فعل وتوعدكم بما توعد . * ( وَيَسْتَخْلِفَكُمْ ) * أي يجعلكم خلفاء * ( في الأرض ) * أي أرض مصر تريح بما كنى عنه وتوكيد للتسلية على أبلغ وجه ، وفيه إدماج معنى من عادي أولياء الله تعالى فقد بارزه بالمحاربة وحق له الدمار والخسار . وعسى في مثله قطع في إنجاز الموعود والفوز بالمطلوب ، ونص غير واحد على التعبير به للجري على سنن الكرماء . وقيل : تأدباً مع الله تعالى وإن كان الأمر مجزوماً به بوحي وإعلام منه سبحانه وتعالى ، وقيل : إن ذلك لعدم الجزم منه عليه السلام بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم ، فقد روى أن مصر إنما فتحت في زمن داود عليه السلام . وتعقب بأنه لا يساعده قوله تعالى : * ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) * ( الأعراف : 137 ) فإن المتبادر استخلاف المستضعفين أنفسهم لا استخلاف أولادهم ، والمجاز خلاف الأصل . نعم المشهور أن بني إسرائيل بعد أن خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر لم يرجعوا إليها في حياته ، وفي قوله سبحانه : * ( فَيَنْظُرِ ) * أي يرى أو يعلم * ( كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) * أحسناً أم قبيحاً فيجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال إرشاد لهم