الآلوسي
196
تفسير الآلوسي
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنهو عن ذلك ، وأخرج أبو الشيخ وغيره عن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فأخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان إن محمداً صلى الله عليه وسلم مريدكم فخذوا حذركم فنزلت * ( وَتَخُونُوا أَمَانَاتكُمْ ) * عطف على المجزوم أولاً والمراد النهي عن خيانة الله تعالى والرسول وخيانة بعضهم بعضاً ، والكلام عند بعض على حذف مضاف أي أصحاب أماناتكم ، ويجوز أن تجعل الأمانة نفسها مخونة ، وجوز أبو البقاء أن يكون الفعل منصوباً بإضمار أن بعد الواو في جواب النهي كما في قوله : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم والمعنى لا تجمعوا بين الخيانتين والأول أولى لأن فيه النهي عن كل واحد على حدته بخلاف هذا فإنه نهى عن الجمع بينهما ولا يلزمه النهي عن كل واحد على حدته ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأمانات بالأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها عباده ، وقرأ مجاهد * ( أمانتكم ) * بالتوحيد وهي رواية عن أبي عمرو ولا منافاة بينها وبين القراءة الأخرى * ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أي تبعة ذلك ووباله أو أنكم تخونون أو وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح ، فالفعل إما متعد له مفعول مقدر بقرينة المقام أو منزل منزلة اللازم ، قيل : ولس المراد بذلك التقييد على كل حال . * ( واعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * . * ( واعْلَمُوا انَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فتْنَةٌ ) * لأنها سبب الوقوع في الاسم والعقاب ، أو محنة من الله عز وجل يختبركم بها فلا يحملنكم حبها على الخيانة كأبي لبابة ، ولعل الفتنة في المال أكثر منها في الولد ولذا قدمت الأموال على الأولاد ، ولا يخفى ما في الأخبار من المبالغة . وجاء عن ابن مسعود ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله سبحانه يقول : * ( واعلموا أنما أموالكم ) * الخ فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن ؛ ومثله عن علي كرم الله تعالى وجهه * ( وَانَّ اللَّهَ عنْدَهُ أَيجْرٌ عَظيمٌ ) * لمن مال إليه سبحانه وآثر رضاه عليهما وراعى حدوده فيهما فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه . * ( يِاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * . * ( يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ) * في كل ما تأتون وما تذرون * ( يَجْعَلْ لَّكُمْ ) * بسبب ذلك الاتقاء * ( فُرْقَاناً ) * أي هداية ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل كما روي عن ابن جريج وابن زيد ، أو نصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين كما قال الفراء ، أو نجاة في الدارن كما هو ظاهر كلام السدي ، أو مخرجاً من الشبهات كما جاء عن مقاتل ، أو ظهوراً يشهر أمركم وينشر صتكم كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق - من بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان - أي الصبح ، وكل المعان ترجع إلى الفرق بن أمرن ، وجوز بعض المحققين الجمع بينهما * ( وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ ) * أي يسترها في الدنيا * ( وَيَغْفرْ لَكُمْ ) * بالتجاوز عنها في الأخرى فلا تكرار ، وقد يقال : مفعول يغفر الذنوب وتفسر بالكبائر وتفسر السيئات بالصغائر ، أو يقال : المراد ما تقدم وما تأخر لأن الآية فأهل بدر وقد غفر لهم . ففي الخبر لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم * ( واللَّهُ ذُو الْفَضْل الْعَظيم ) * تعليل لما قبله وتنبيه على أن ما وعد لهم على التقوى تفضل منه سبحانه وإحسان وأنها بمعزل عن أن توجب عليه جل شأنه