الآلوسي
143
تفسير الآلوسي
صح الحديث فهو مذهبي وأراه قد صح ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب . وقرأ نافع . وأبو بكر * ( شركاً ) * بصيغة المصدر أي شركة أو ذوي شركة وهم الشركاء . * ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) * . * ( أَيُشْركُونَ ) * به تعالى * ( مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً ) * أي ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً من الأشياء أصلاً ومن حق المعبود أن يكون خالقاً لعابده لا محالة وعنى * ( بما ) * الأصنام ، وإرجاع الضمير إليها مفرداً لرعاية لفظها كما أن إرجاع ضمير الجمع إليهما من قوله سبحانه وتعالى : * ( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) * لرعاية معناها وإيراد ضمير العقلاء مع أن الأصنام مما لا يعقل إنما هو بحسب اعتقادهم فيها وإجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها آلهة . والجملة عطف على * ( لا يخلق ) * ، والجمع بين الأمرين لإبانة كمال منافاة حال ما أشركوه لما اعتقدوه فيه وإظهار غاية جهلهم ، وعدم التعرض للخالق للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره تعالى * ( وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ) * . * ( وَلاَ يَسْتَطيعُونَ ) * أي الأصنام * ( لَهُمْ ) * أي للمشركين الذين عبدوهم * ( نَصْراً ) * أي نصراً ما إذا أحزنهم أمرهم وخطب ملم * ( ولا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) * إذا اعتراهم حادثة من الحوادث أي لا يدفعونها عن أنفسهم ، وإيراد النصر للمشاكلة وهو مجاز في لازم معناه وهذا لتأكيد العجز والاحتياج المنافيين لاستحقاق الألوهية ، ووصفوا فيما تقدم بالمخلوقية لكونهم أهلاً لها ولم يوصفوا هنا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلاً لها . [ بم وقوله سبحانه وتعالى : * ( وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ ) * . * ( وَإنْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبعُوكُمْ ) * بيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر وهو مجرد الدلالة على البغية والإرشاد إلى طريق حصولها من غير أن تحصل للطالب . والخطاب للمشركين بطريق الالتفات بدلالة ما بعد ، وفيه إيذان بمزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت ، أي وإن تدعوا الأصنام أيها المشركون إلى أن يرشدوكم إلى ما تاحصلون به المطالب أو تنجون به عن المكاره لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم ولا يقدرون على ذلك . وقرأ نافع * ( يتبعوكم ) * بالتخفيف وقوله تعالى : * ( سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامتُونَ ) * استئناف مقر لمضمون ما قبله ومبين لكيفية عدم الاتباع ، أي مستو عليكم في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم فإنه لا يتغير حالكم في الحالين كما لا يتغير حالهم بحكم الجمادية ، وكان الظاهر الإتيان بالفعل فيما بعد * ( أم ) * لأن ما في حيز همزة التسوية مؤول بالمصدر ، لكنه عدل عن ذلك للإيذان بأن إحداث العدوة مقابل باستمرار الصمات ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى ، وقيل : إن الاسمية بمعنى الفعلية وإنما عدل عنها لأنها رأس فاصلة وفيه أنه لو قيل تصمتون تم المراد . وقيل : أن ضمير * ( تدعوا ) * للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أو له عليه الصلاة والسلام وجمع للتعظيم ، وضمير المفعولين للمشركين ، والمراد بالهدي دين الحق أي إن تدعوا المشركين إلى الإسلام لا يتبعوكم أي لم يحصلوا ذلك منكم ولم يتصفوا به ، وتعقب بأنه مما لا يسعده سباق النظم الكريم وسياقه أصلاً على أنه لو كان كذلك لقيل عليهم مكان عليكم كما في قوله تعالى : * ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ( : ) فإن استواء الدعاء وعدمه إنما هو بالنسبة للمشركين لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة ، ولعل رواية ذلك عن الحسن غير ثابتة ، والطبرسي حاطب ليل . * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ ) * تقريري لما قبله من عدم اتباعهم لهم ، والدعاء اما بمعنى العبادة تسمية لها بجزئها ، أو بمعنى التسمية كدعوته زيداً ومفعولاه محذوفان أي إن الذين تعبدونهم