المحقق البحراني
264
الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب
وقال بعد ما لفظه : للنظر فيه مجال . أمّا أوّلاً ، فلأنّ الناصبي قد صار في الاطلاقات حقيقة عرفيّة في غير أهل الحرب ، ولو كانوا هم المراد لكان الأولى التعبير عنهم بلفظهم من جهة ملاحظة التقيّة ، لكن لمّا أراد ( عليه السلام ) بيان الحكم الواقعي عبّر بما ترى . وأمّا قوله « لا يجوز أخذ مال مسلم ولا ذمّي » فهو مسلم ، ولكن أين لهم الاسلام ؟ وقد هجروا أهل بيت نبيّهم المأمور بودادهم في محكم الكتاب بقوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجراً الاّ المودّة في القربى ) ( 1 ) وهم أنكروا ما علم من الدين ضرورة . وأمّا اطلاق الاسلام عليهم في بعض الأخبار ، فلضرب من التشبيه والمجاز ، والتفاتاً إلى جانب التقيّة التي هي مناط هذه الأحكام . وفي الروايات أنّ علي بن يقطين - وهو وزير الرشيد - قد اجتمع في مجلسه جماعة من المخالفين ، وكان من خواصّ الشيعة ، فأمر غلمانه وهدموا سقف المجلس على المحبوسين ، فماتوا كلّهم ، وكانوا خمسمائة رجل تقريباً ، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم ، فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم ( عليه السلام ) ، فكتب إليه جواب كتابه : بأنّك لو كنت تقدّمت إليّ قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم ، وحيث أنّك لم تتقدّم إليّ ، فكفّر عن كلّ رجل قتلته منهم بتيس ، والتيس خير منه . فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر ، وهو كلب الصيد ، فانّ ديته عشرون درهماً ، ولا دية أخيهم الأكبر ، وهو اليهودي أو المجوسي ، فانّها ثمانمائة درهم ، وحالهم في الآخرة أخسّ وأبخس ( 2 ) انتهى كلامه زيد مقامه .
--> ( 1 ) الشورى : 23 . ( 2 ) الأنوار النعمانيّة 2 : 308 .