الآلوسي
30
تفسير الآلوسي
في كلامهم . * ( وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ) * . * ( وَرَبُّكَ الْغَنيُّ ) * أي لا غنى عن كل شيء كائناً ما كان إلا هو سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم ، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل ، والكلام مبتدأ وخبر . وقوله سبحانه : * ( ذُو الرَّحْمَة ) * خبر آخر ، وجوز أن يكون هو الخبر و * ( الغني ) * صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء ، وفي ذلك تنبيه على أن ما تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله سبحانه : * ( إنْ يَشأْ يُذْهبْكُمْ ) * أي ما به حاجة إليكم أصلاً إن يشأ يذهبكم أيها العصاة أو أيها الناس بالإهلاك ، وفي تلوين الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى * ( وَيَسْتَخْلفْ منْ بَعْدُكمْ ) * أي وينشىء من بعد إذهابكم * ( مَّا يَشَاءُ ) * من الخلق ، وإيثار ( ما ) على من لإظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء * ( كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِّنْ ذُرِّيَّة قَوْم آخَرينَ ) * أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام لكنه سبحانه أبقاكم ترحماً عليكم ، وما في * ( كما ) * مصدرية ومحل الكاف النصب على المصدرية أو الوصفية لمصدر الفعل السابق أي وينشىء إنشاء كإنشائكم أو يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم ، و * ( من ) * لابتداء الغاية ، وقيل : هي بمعنى البدل والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة . * ( إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * . * ( إنَّ مَا تُوعَدُونَ ) * أي إن الذي توعدونه من القيامة والحساب والعقاب والثواب وتفاوت الدرجات والدركات ، وصيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي ، و * ( ما ) * اسم ( إنَّ ) ولا يجوز أن تكون الكافة لأن قوله سبحانه : * ( لآت ) * يمنع من ذلك كما قال أبو البقاء ، وهو خبر ( إنَّ ) ، والمراد : إن ذلك لواقع لا محالة ، وإيثار آت على واقع لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى : * ( وَمَا أَنْتُمْ بمُعْجزينَ ) * أي جاعلي من طلبكم عاجزاً عنكم غير قادر على إدراككم . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى وما أنتم بسابقين ، وإيثار صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بقرب الإتيان والدوام الذي يفيده العدول عن الفعلية إلى الإسمية متوجه إلى النفي فالمراد دوام انتفاء الإعجاز لا بيان دوام انتفائه ، وله نظائر في الكتاب الكريم . * ( قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) * . * ( قُلْ يَا قَوْم ) * أمر له صلى الله عليه وسلم أن يواجه الكفار بتشديد التهديد وتكرير الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه من غاية التصلب في الدين ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم أصلاً إثر ما بين لهم حالهم ومآلهم أي قل يا محمد لهؤلاء الكفار . * ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتكُمْ ) * أي على غاية تمكنكم واستطاعتكم على أن المكانة مصدر مكن إذا تمكن أبلغ التمكن ؛ وجوز أن يكون ظرفاً بمعنى المكان كالمقام والمقامة ، ومن هنا فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن المنذر عنه بالناحية وتجوز به عن ذلك من فسره بالحالة أي اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها . وقرأ أبو بكر عن عاصم * ( مكاناتكم ) * على الجمع في كل القرآن ، وزعم الواحدي أن الوجه الإفراد وفيه نظر ، والمعنى أثبتوا على كفركم ومعاداتكم لي * ( إنِّي عَاملٌ ) * على مكانتي أي ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم .