الآلوسي

153

تفسير الآلوسي

وصيغة المضارع للدلالة على تجدد نصحه عليه السلام لهم كما يفصح عنه قوله : * ( رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ) * ( نوح : 5 ) . وقوله تعالى : * ( وَأَعْلَمُ منَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) * عطف على ما قبله وتقرير لرسالته عليه السلام أي أعلم من قبله تعالى بالوحي أشياء لا علم لكم بها من الأمور الآتية . فمن لابتداء الغاية مجازاً أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدق برسله ما لا تعلمونه . فمن إما للتبعيض أو بيانية لما ، ولا بد في الوجهين من تقدير المضاف ، قيل : كانوا لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين غافلين لا يعلمون ما علمه نوح عليه السلام فهم أول قوم عذبوا على كفرهم . * ( أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * . * ( أَوْعَجبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذكْرٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ ) * رد لما هو منشأ لقولهم : * ( إنا لنراك في ضلال مبين ) * ( الأعراف : 60 ) والاستفهام للإنكار أي لم كان ذلك ولا داعي له . والواو للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ، ويقدر عند الزمخشري وأتباعه بين الهمزة وواو العطف كأنه قيل : استبعدتم وعجبتم . ومذهب سيبويه والجمهور أن الهمزة من جملة أجزاء المعطوف إلا أنها قدمت على العاطف تنبيهاً على أصالتها في التصدير . وضعف قول الأولين بما فيه من التكلف لدعوى حذف الجملة فإن قوبل بتقديم بعض المعطوف فقد يقال : إنه أسهل منه لأن المتجوز فيه أقل لفظاً . وفيه تنبيه على أصالة شيء في شيء وبأنه غير مطرد في نحو * ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) * ( الرعد : 33 ) . وتحقيقه في محله و * ( أن جاءكم ) * بتقدير بأن لأن الفعل السابق يتعدى بها ؛ والمراد بالذكر ما أرسل به كما قيل للقرآن ذكر ويفسر بالموعظة . ومن للابتداء والجار والمجرور متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة لذكر أي ذكر كائن من مالك أموركم ومربيكم . * ( عَلَى رَجُل مِّنْكُمْ ) * أي من جملتكم تعرفون مولده ومنشأه أو من جنسكم فمن تبعيضية أو بيانية كما قيل و * ( على ) * متعلقة بجاء بتقدير مضاف أي على يد أو لسان رجل منكم أي بواسطته ، وقيل : على بمعنى مع فلا حاجة إلى التقدير ، وقيل : تعلقه به لأن معناه أنزل كما يشير إليه كلام أبي البقاء أو لأنه ضمن معناه ، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من * ( ذكر ) * أي نازلاً على رجل منكم . * ( ليُنْذرَكُمْ ) * علة للمجىء أي ليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصي * ( وَلتَتَّقُوا ) * عطف على * ( لينذركم ) * وكذا قوله تعالى : * ( وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * على ما هو الظاهر فالمجىء معلل بثلاثة أشياء وليس من توارد العلل على معلول واحد الممنوع وبينها ترتب في نفس الأمر فإن الإنذار سبب للتقوى والتقوى سبب لتعلق الرحمة بهم ، وليس في الكلام دلالة على سببية كل من الثلاثة لما بعده ولو أريدت السببية لجيء بالفاء . وبعضهم اعتبر عطف * ( لتتقوا ) * على * ( لينذركم ) * و * ( لعلكم ترحمون ) * على * ( لتتقوا ) * مع ملاحظة الترتب أي لتتقوا بسبب الإنذار ولعلكم ترحمون بسبب التقوى فليتأمل . وجىء بحرف الترجي على عادة العظماء في وعدهم أو للتنبيه على عزة المطلب وأن الرحمة منوطة بفضل الله تعالى فلا اعتماد إلا عليه . * ( فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ والَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ باايَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ) * . * ( فَكَذَّبُوهُ ) * أي استمروا على تكذيبه وأصروا بعد أن قال لهم ما قال ودعاهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً * ( فَأَنْجَيْنَاهُ ) * من الغرق ، والإنجاء في الشعراء من قصد أعداء الله تعالى وشؤم ما أضمروه له عليه السلام * ( وَالَّذينَ مَعَهُ ) * من المؤمنين . وكانوا على ما قيل : أربعين رجلاً وأربعين امرأة . وقيل : كانوا ( عشرة ) أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به عليه السلام ، والفاء للسببية باعتبار الإغراق لا فصيحة . وقوله سبحانه