ابن ميثم البحراني

60

شرح نهج البلاغة

الثانية : نبّه على فضيلة عزّة النفس عند الحاجة ، وعلى مواصلة الأخوان في الغنى بالتعجّب من قبح ضدّيهما ، وهما الخضوع في الحاجة والجفاء في الغنى للتقير عنهما . إذ كانا رذيلتين ، وهي في قوّة ضمير تقديرها : أنّ الذلَّة في الحاجة وجفاء الأخوان في الغنى قبيحان جدّا ، وتقدير كبراه : وكلَّما كان كذلك وجب اجتنابه . الثالثة : نبّهه على بذل المال في وجوه البرّ والقربات لغاية إصلاح آخرته بقوله : إنّما لك . إلى قوله : مثواك ، وأراد بما له من دنياه ما يملك نفعه دائما ولذلك حصره بإنّما لأنّه القدر المنتفع به على الحقيقة ، والَّذي يبقى ثمرته لاستلزام بذله تحصيل الملكات الفاضلة المستلزمة للثواب الدائم والنعيم المقيم في الآخرة ، وهو صغرى ضمير تقديرها : ما أصلحت به مثواك من دنياك هو الَّذي يبقى لك منها ، وتقدير الكبرى : وكلّ ما هو الباقي لك منها فينبغي أن تحضّه بعنايتك ، ويحتمل أن يكون هذه الكلمة تنبيها على ما قبلها من المواصلة في الغنى داخلة في إصلاح المثوى بالمال المنبّه عليه هاهنا . الرابعة : نبّهه على ترك الأسف والجزع على ما يخرج من يده من المال بقياس استثنائي ، وذلك قوله : فإن جزعت . إلى قوله : إليك . وبيان الملازمة أنّ الَّذي خرج من يده كالَّذي لم يصل إليه في أنّه ليس برزق له وليس ممّا قضى اللَّه له به . وتقدير الاستثناء : لكن الجزع هناك قبيح وغير محقّق فينبغي أن لا يحصل الجزع هاهنا . الخامسة : أمره أن يستدلّ بقياس ما لم يكن أي ما لم يحدث من أمور الدنيا وأحوالها وتغيّراتها على ما كان وحدث منها ، وذلك أن يقيس نفسه وما ترغب فيه من متاع الدنيا على ما سبق من أهلها ومتاعها فتجده مثله فيحكم بلحوق حكمه له وهو التغيّر والزوال فيستلزم ذلك الاعتبار الرغبة عن الدنيا ومتاعها ، ونبّه على إمكان ذلك بضمير صغراه قوله : فإنّ الأمور أشباه ، وتقدير الكبرى : وكلّ ما هو متشابه فيمكن قياس بعضه على بعض ، وكأن يقال : إذا أردت أن تنظر الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك .