ابن ميثم البحراني
53
شرح نهج البلاغة
الثالث والثلاثون : نبّه على ترك الاستعانة في المهمّات بالمهين من الناس بضمير تقدير الكبرى : وكلّ من كان كذلك فالأولى اجتناب الاستعانة به ، والخير المنفى عنه هو النافي في الاستعانة به ، ومعلوم أنّه منتف عنه لما أنّ مهاتنه تضادّ النهوض في مهمّات الأمور وعلياتها ، ولأنّ ذلَّته يستلزم قهره وضعفه عن المقاومة ، ونحوه قولهم : إذا تكفّيت بغير كاف وجدته للهمّ غير شاف . الرابع والثلاثون : نبّه على مجانبة الصديق المتّهم بضمير تقدير صغراه كالَّتي قبلها ، وأراد أنّه لا خير فيه لصديقه . إذ كان من جهة الباطن مظنّة الشرّ له . الخامس والثلاثون : أمره أن يصبر على ما يقتضيه الدهر ولا يتسخّط من ذلك وإن كان دون رضاه . إذ كان ذلك هو المتمكَّن في الطبيعة ، وما بمعنى المدّة ، واستعار لفظ القعود للزمان الَّذي تيسّر فيه رزقه وتسهل فيه بعض مهمّاته ، ووجه المشابهة أنّ ذلك الزمان يمكَّنه من بعض مهمّاته وحوائجه . وطلب ما لا يمكن فيه وما لم يعدّ لحصوله من المطالب ربّما يستلزم تغيّره وامتناع ما كان ممكنا فيه كما أنّ القعود من شأنه أن يمكَّن من ظهره واقتعاده وهو بمعرض أن ينفرّ براكبه إذ استزاده وشدّ عليه ، ولفظ الذلَّة مستعار لسكون الزمان وإمكان المطلوب فيه ، وأراد بمساهلته الجريان معه بقدر مقتضاه من دون تشدّد وتسخّط عليه فإنّ ذلك يستلزم تعب النفس من غير فائدة ، وإلى مثله أشار القائل : إذ الدهر أعطاك العنان فسر به * رويدا ولا تعنف فيصبح شامسا السادس والثلاثون : نهاه أن يخاطر بما يملكه رجاء أكثر منه . إذ كان في مظنّة أن لا يعود فيوشك أن يضيع الأصل ، ويحمل ذلك على كون الإنسان يلقى ما في يده للغرض المذكور مع شكَّه في سلامته أمّا مع ظنّ السلامة فلا خطر . ونحوه قولهم : من طلب الفضل حرم الأصل . السابع والثلاثون : حذّره من اللجاج في طلب الأمر عند تعسّره ، ونفّره عنه بأن استعار له لفظ المطيّة الجموح ، ووجه المشابهة كونه يؤدّي بصاحبه إلى غاية ليست بمجهوده [ بمحمودة خ ] كالجموح من المطايا .