ابن ميثم البحراني

46

شرح نهج البلاغة

الثاني : قوله : وليس كلّ طالب بمرزوق ، وهو تمثيل نبّه فيه على أنّ الطلب على الحرمان في بعض الطالبين حتّى يقيس نفسه عليه فلا يحرس في الطلب . الثالث : قوله : ولا كلّ مجمل بمحروم . تنبيه على تمثيل آخر كذلك نبّه فيه على أنّ الإجمال علَّة للرزق في بعض الناس ليقيس نفسه عليه فيجمل في الطلب . الرابع : أن يكرم نفسه عن كلّ دنيّة وإن استلزمت وصوله إلى ما يرغب فيه ويتنافس عليه ، وذلك كأن يكذب مثلا أو يغدر ليصل إلى الملك ونحوه ، والإكرام لها عن ذلك يستلزم فضائل كالسخاء والمروّة وكبر الهمّة . إذ كلّ واحد من رذيلة البخل والنذالة وصغر الهمّة يستلزم مقارفة الدنيّة بقوله : فإنّك . إلى قوله : عوضا : أي أنّ ما تبذله من نفسك من الفضيلة وتعدل عنه إلى الرذيلة لا يقاومه عند اللَّه وعند أهل الفضائل من خلقه شيء وإن جلّ ، ولا يكون لك عنه عوض . وهو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه : وكلّ ما لا يحصل له عوض يقابله ويساويه فلا ينبغي أن يبذل في مقارفة الدنايا . الخامس : أن لا يكون عبد غيره : أي لا يجعل لغيره عليه فضل إحسان يسأله إيّاه فيسترقّه به ، ويستوجب بذلك على نفسه خدمته والاشتغال بشكره عن اللَّه . وقوله : وقد جعله اللَّه حرّا . في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه : وكلّ من جعله اللَّه حرّا فيقبح أن يجعل نفسه عبدا لغيره ، وكذلك قوله : وخير خيره إلى قوله : إلَّا بعسر استفهام في معنى الاستنكار : أي لا خير في خير لا يوجد إلا بشّر ، ويسر لا ينال بعسر ، وكنّى بذلك الخير واليسر عمّا يطلب في مقارفة الدنايا ويصير الإنسان بسببه عبدا لغيره كالمال ونحوه ، وبالشرّ والعسر المقارن له كبذل ماء الوجه في السؤال والذلَّة وغيرها من الدنايا ، وهو أيضا في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه : وكلّ ما لا خير فيه فلا ينبغي أن يطلب ويتعبّد للغير من أجله .