ابن ميثم البحراني

38

شرح نهج البلاغة

لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا - فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ - يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ويَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا - ويَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا - نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وأُخْرَى مُهْمَلَةٌ - قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ورَكِبَتْ مَجْهُولَهَا - سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ - لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ولَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا - سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى - وأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى - فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا - واتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ ولَعِبُوا بِهَا - ونَسُوا مَا وَرَاءَهَا ! ! رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ - كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الأَظْعَانُ - يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ أقول : منزل قلعة : لا يصلح للاستيطان . والبلغة : ما تبلغ به من العيش . الأزر : القوّة . ويبهّره : غلبه وأتعبه ، وأصل البهر تتايع النفس عن التعب . وأخلد إلى كذا : استند إليه . والتكالب : التواثب . والمساوي : المعايب . والضراوة . تعوّد الصيد والجرأة عليه . والمعقّلة : المقيّدة . والمجهول والمجهل : المفازة الَّتي لا أعلام فيها . وواد وعث : لا يثبت به خفّ ولا حافر لكثرة سهولته . والمسيم : الراعي . وقد نبّهه في هذه الفصل على أمور : أحدها : أنّ العلَّة الغائيّة من خلقه ووجوده هي الآخرة دون الدنيا والموت والفناء دون الحياة والبقاء ، وهذه الأمور علل عرضيّة من وجود الإنسان لكونها من ضرورات وجوده ، وأمّا العلَّة الحقيقيّة الأولى من وجوده فهي استكماله ووصوله إلى حضرة ربّه طاهرا عن علايق الدنيا ، وذكره بهذه الغايات الَّتي يجزم بالوصول إليها ليعمل لها ولما بعد الموت ، ويقلّ العرجة على الدنيا وعمارتها ولا يركن إلى البقاء فيها لكونها أمورا عرضيّة زايلة .