ابن ميثم البحراني

34

شرح نهج البلاغة

بسالكها على أحدهما ، وهو ظاظر . أيضا فإنّ خوض الإنسان في أحوال الدنيا والتصرّف فيها إلى غاية انقطاعها ووصول الآخرة إمّا أن يكون على وجه القصد ، ولزوم سمت القبلة الحقيقيّة وتجنّب طريق طرفي الإفراط والتفريط وبذلك يكون هجوم تلك الطريق وهبوطها بسالكها على الجنّة ، وإمّا أن يكون على وجه الانحراف عن ذلك القصد ، والتعريج عنه إلى ما في تلك الطريق من مناهي اللَّه وأبواب محارمه ، وبذلك يكون هبوطها بسالكها على النار ، ونسبة الهبوط إليها مجاز باعتبار تأدّيها إلى إحدى الغايبين كالهابط بالشيء ليوصله إلى قراره . ثمّ أمره أن يرتاد لنفسه ويطلب ما يكون سببا لنجاته فيها وحسن حاله قبل نزول أحد المنزلين الَّذين هما غايتاها ليكون هبوطها به على الجنّة ، وأن يوطَّئ المنزل الَّذي يريد سكناه بالاستعداد له . وروي : يوطَّن - بالنون - أي يتّخذه وطنا . المطلوب الخامس : التنبيه على الدعاء والترغيب فيه ، وسرّه دوام ملاحظة جلال اللَّه والانقطاع إليه . إذ هو مبدء كلّ محبوب ومعطى كلّ مطلوب . ورغَّب في ذلك بأمور : أحدها : أنّ بيده تعالى خزائن السماوات والأرض ، وهو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه : وكلّ من كان كذلك كان أحقّ بالرغبة إليه من كلّ أحد . الثاني : أنّه تعالى أذن في الدعاء وتكفّل بالإجابة فقال « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » ( 1 ) وتقدير الكبرى فكالأوّل . الثالث : انّه أمر الخلق أن يسألوه ليعطيهم في قوله تعالى « وَسْئَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ » ( 2 ) وكذلك أن يطلبوا منه الرحمة ليرحمهم ، وذلك أنّ إفاضة الرزق والرحمة وكلّ فضل منه إنّما يوجد بعد الاستعداد له بالاخلاص في الطلب والاسترحام وغيره كما علم في مظانّه ، وتقدير الكبرى : وكلّ من كان كذلك فواجب أن يسأل ويسترحم . الرابع : أنّه لم يجعل بينه وبين الراغب إليه حاجبا ولا بوّابا لتقدّسه سبحانه

--> ( 1 ) 40 - 63 . ( 2 ) 4 - 36 .