ابن ميثم البحراني

25

شرح نهج البلاغة

الاعتبارات المذكورة أمره أن يفعل كما ينبغي أن يفعله من هو مثله في النقصان بالنسبة إلى عظمة اللَّه سبحانه فيطيعه حقّ طاعته ويعبده بكمال عبادته وكما ينبغي لكرم وجهه وعزّ جلاله ، وعدّد له وجوه النقصان ليعتبر حاله في كلّ منها بالقياس إلى كمال ذاته تعالى ليعلم صغر منزلته بالنسبة إلى عظمته تعالى ، وقلَّة مقدرته وكثرة عجزه بالنسبة إلى كمال قدرته . وكذلك عظم حاجته إلى ربّه في كلّ حال من طلب توفيقه وإعداده لطاعته والرهبة من عقوبته والإشفاق من سخطه كلّ ذلك بالنسبة إلى غنائه المطلق في كلّ شيء عن كلّ شيء . وقوله : فإنّه . إلى قوله : قبيح . تنبيه إجماليّ على وجوب طاعته تعالى في كلّ ما أمر به ونهى عنه . وجذبه إلى فعل كلّ مأمور به بكونه حسنا وإلى الانتهاء عن كلّ شيء منهىّ عنه بكونه قبيحا . وقد علمت أنّ الغاية من بعثة الرسل ووضع الشرائع والسنن هي نظام أحوال الخلق في معاشهم ومعادهم . فلا بدّ إذن في كلّ أمر أو نهى من سرّ وحكمة يوجب حسن المأمور به وقبح المنهىّ عنه ، ولهذا الكلام ونحوه تعلَّقت المعتزلة بمسألة الحسن والقبح العقليّين ، وباللَّه التوفيق . الفصل السادس : قوله : يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وحَالِهَا - وزَوَالِهَا وانْتِقَالِهَا - وأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ ومَا أُعِدَّ لأَهْلِهَا فِيهَا - وضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الأَمْثَالَ - لِتَعْتَبِرَ بِهَا وتَحْذُوَ عَلَيْهَا - إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ - نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ - فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وجَنَاباً مَرِيعاً - فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وفِرَاقَ الصَّدِيقِ - وخُشُونَةَ السَّفَرِ وجُشُوبَةَ المَطْعَمِ - لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ومَنْزِلَ قَرَارِهِمْ - فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً - ولَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً - ولَا شَيْءَ أَحَبُّ