ابن ميثم البحراني

23

شرح نهج البلاغة

أحدها : الحكمة في وجوب بعثة الرسل إلى الخلق ووصولهم إليه لما علمت من برهان وجوب البعثة في موضعه . الثاني : يلزم أن يكون آثار ملكه وسلطانه وصفات أفعاله ظاهرة مشاهد . الثالث : أن يعرف أفعاله وصفات ذاته . لكن هذه اللوازم كلَّها باطلة : أمّا الأوّل فلأنّه لم يأتنا رسول ذو معجزة يدلَّنا على الثاني ويخبرنا عنه ، وأمّا الثاني : فهو أنّ آثار الملك والسلطان وعظمة الملك وإحكامه إنّما يدلّ على حكيم قادر فأمّا على التعدد فلا واما الثالث : فلأن مجرد الافعال التي نشاهدها إنما يدل على فاعل فأمّا التعدد فلا وكذلك صفات الإلهية المكتسبة بواسطة الافعال من العلم والقدرة والإرادة وغيرها إنّما يدلّ على صانع موصوف بها فأمّا على صانعين أو أكثر كذلك فلا . فإذن القول بأنّ لربّنا شريك قول باطل لا برهان عليه كما قال تعالى « وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ » ( 1 ) الآية ، وقوله : إله واحد كما وصف نفسه . من لوازم النتيجة لأنّه إذا بطل القول بثاني الإله ثبت أنّه إله واحد كما وصف هو نفسه بقوله « قل هو اللَّه أحد . وهو اللَّه الواحد القهّار » وأنّه لا يضادّه في ملكه أحد : أي يعانده في أفعاله وينازعه في ملكه كما هو عادة الملوك . وأعلم أنّ هذه الحجّة إقناعيّة كما هو غاية الخطيب من الخطابة وليست برهانيّة لأنّه إن أريد في الشرطيّة أنّ وجود الثاني يستلزم وجود آثار وأفعال وصفات تخصّه ويعلم اختصاصه به . فالملازمة ممنوعة لأنّ الإلهين سواء كانا متّفقي الحقيقة أو مختلفي الحقيقة لا يلزم أن يختلف أفعالهما ولوازمهما بالنوع ويتخصّص كلّ منهما بلازم خاصّ وفعل خاصّ لا يوجد للآخر بل جاز أن يتّفقا في اللوازم والآثار ، وإنّ أريد أنّ وجوده يستلزم أن يعرف آثار وأفعال ولوازم لا يخصّه بل جاز أن يشاركه فيها الإله الآخر فهذا مسلَّم لكن لا يمكن الاستدلال بطلان التالي هاهنا ، وهو ظاهر لأنّا نرى آثار ملك وأفعال ولوازم وصفات لا تدلّ على أحديّة فاعلها والموصوف بها ولا على إثنينيّته

--> ( 1 ) 23 - 118 .