ابن ميثم البحراني
117
شرح نهج البلاغة
الإنسان الكامل استلزم ذلك التشبيه به قوّة النفرة عمّا يستلزم التشبيه من الصفات . وقوله : قرّت إذن عينه . إخبار في معرض الإنكار والاستهزاء باللذّة كقوله تعالى « ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ » ( 1 ) ، التاسع عشر : نبّه على أنّ النفس إذا كانت بالصفات المذكورة فلها استحقاق طوبى . وجمع في تلك الصفات أكثر مكارم الأخلاق : فالأولى : القيام بواجب طاعة اللَّه وما افترضه عليها . الثانية : قوله : وعركت بجنبها بؤسها . كناية عن الصبر على نزول المصائب . يقال : عرك فلان بجنبه الأذى ، إذا أغضى عمّن يؤذيه وصبر على فعله به . ويلازم ذلك عدّة فضائل كالحلم والكرم والعفو والصفح والتجاوز وكظم الغيظ واحتمال المكروه والعفّة ونحوها . الثالثة : أن تهجر بالليل غمضها ، وهو كناية عن إحياء ليلها بعبادة ربّها واشتغالها بذكره حتّى إذا غلب النوم عليها افترشت أرضها وتوسّدت كفّها : أي لم يكن لها كلفة في تهيّة فراش وطيب وساد بل كانت بريّة عن كلّ كلفة عريّة عن كلّ قينة منزّهة عن كلّ ترفة . وقوله : في معشر . يصلح تعلَّقه بكلّ من أفعال النفس المذكورة : أي فعلت هذه الأفعال في جملة معشر من شأنهم كذا . وعرّفهم بصفات أربع : أحدها : كونهم أسهر عيونهم خوف معادهم . الثاني : وتجافت جنوبهم من مضاجعهم . وهو كناية عن اشتغالهم ليلا بعبادة ربّهم كقوله تعالى « تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ » ( 2 ) . الثالث : وهمهمت بذكر ربّهم شفاهم كقوله تعالى « يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً » ( 3 ) .
--> ( 1 ) 44 - 49 . ( 2 ) 32 - 16 . ( 3 ) 32 - 16 .