ابن ميثم البحراني
115
شرح نهج البلاغة
حدود اللَّه في عباد غرّتهم بالأمانيّ وأوردتهم موارد البلاء حيث لا ورد ولا صدر : أي أنّ تلك الموارد ليس من شأنها أن يكون إليها ورود وعنها صدر . ثمّ لمّا كان في هذا الخطاب كالمعلم لها أنّه قد اطَّلع على خداعها وغرورها قال كالمؤيس لها من نفسه هيهات : أي بعد اغتراري بك وركوني إليك . ثمّ نبّه على بعض العلل الحاملة على على البعد عنها والنفرة عن قربها وهي ما يلزم وطئ دحضها من الزلق ، وركوب لججها من الغرق ، والازورار عن حبائلها من التوفيق للسلامة ، وما يلزم السالم منها من عدم مبالاته بضيق مناخه ، وكلّ مناخ أناخ به من فقر وسجن ومرض وبلاء بعد السلامة منها فهو فسيح رحب بالقياس إلى ما يستلزم التفسّح في سعتها والجري في في ميادين شهواتها من العذاب الأليم في الآخرة ، وهى عنده في القصر وعدم الالتفات إليها كيوم حان انسلاخه . وألفاظ المداحض واللجج والحبال مستعار لشهواتها ولذّاتها . فالأوّل : باعتبار كون شهواتها مظنّة أن تحبّ فينجرّ الإنسان عند استعمالها إلى الاستكثار منها أو تجاوز القدر المعتدل إلى المحرّم فتزّل قدم نفسه عن صراط اللَّه فيقع في مهاوي الهلاك والمآثم . والثاني : باعتبار أنّ مطالبها والآمال فيها غير متناهية فمن لوازم المشتغل بها والمنهمك في الدنيا أن يغرق نفسه في بهر لا ساحل له منها فينقطع عن قبول رحمة الله إلى الهلاك الأبدي كالملقى نفسه في بحر لجي . الثالث : باعتبار أن الانسان إذا اغترّ بها وحصل في محبّة مشتهياتها عاقته عن النهوض والتخلَّص إلى جناب اللَّه ومنعته أن يطير بجناحي قوّته العقليّة في حضرة قدس اللَّه ومنازل أوليائه الأبرار كما تعوق حبائل الصائد جناح الطائر . ولفظ الوطي والركوب والزلق والغرق ترشيح . ثمّ كرّر الأمر لها بالبعد عنه وأقسم أنّه لا يذلّ لها فيستذلَّه ولا يسلس لها قياده فيقوده ، وفيه تنبيه على أنّها لا يذلّ فيها إلَّا من أذلّ نفسه وعبّدها لها ولا يملك إلَّا قياد من أسلس لها قياده وهو ظاهر . إذ الإنسان ما دام قامعا لقوّته الحيوانيّة مصرفا لها بزمام عقله فإنّه من المحال أن