ابن ميثم البحراني

109

شرح نهج البلاغة

التخيّلات والتوهّمات والإحساسات والأفاعيل المثيرة للشهوة والغضب ومرّنتها على ما يقتضيه العقل العمليّ وأدّبتها على طاعته بحيث يأتمر بأمرها وينتهى لها كانت العقليّة مطمئنّة لا تفعل أفعالا مختلفة المبادي وكانت باقي القوى مؤتمرة مسالمة لها . إذا عرفت ذلك فنقول : لمّا كان الغرض الأقصى من الرياضة إنّما هو نيل الكمال الحقيقيّ ، وكان ذلك موقوفا على الاستعداد له ، وكان حصول ذلك الاستعداد موقوفا على زوال الموانع الخارجيّة والداخليّة كان للرياضة أغراض ثلاثة : أحدها : حذف كلّ محبوب ومرغوب عدا الحقّ الأوّل سبحانه عن درجة الاعتبار ومستنّ الايثار . وهى الموانع الخارجيّة . والثاني : تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنّة ليجذب التخيّل والتوهّم عن الجانب السفلى إلى العلوي ويتبعهما ساير القوى فيزول الدواعي الحيوانيّة المذكورة . وهى الموانع الداخليّة . الثالث : بعث السرّ وتوجيهه إلى الجنّة العالية لتلقّي السوانح الإلهيّة وتهيّئه لقبولها . ويعين على الغرض الأوّل الزهد الحقيقي وهي الإعراض عن متاع الدنيا وطيّباتها بالقلب ، وعلى الثاني العبادة المشفوعة بالفكر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللَّه من شيء وعظمة الخالق سبحانه والأعمال الصالحة المنويّة لوجهه خالصا . وعبّر عليه السّلام بالتقوى الَّتي روّض بها نفسه عن هذه الأمور المعيّنة والأسباب المعدّة ، ونبّه على غرضه الأقصى من الرياضة وهو الكمال الحقيقي واللذّة به بذكر بعض لوازمه وهى أن يأتي نفسه آمنة من الفزع يوم الخوف الأكبر وهو يوم القيامة ، وأن يثبت على جوانب المزلق وهو الصراط المستقيم فلا تميل به الدواعي المختلفة عنه إلى أبواب جهنّم ومهاوي الهلاك . واستعار لفظ المزالق : لمظانّ زلل أقدام العقول في الطريق إلى اللَّه وجذب الميول الشهويّة والغضبيّة عنها إلى الرذائل الموبقة . الحادي عشر : نبّه على أنّ زهده في الدنيا واقتصاره منها على الطمرين والقرصين