ابن ميثم البحراني

95

شرح نهج البلاغة

أقوم من توكَّل عليه بكفاية المتوكَّلين وأسرعهم إحضارا لما استعدّ كلّ منهم له من الكمال . الثالث : كونه تعالى يشاهدهم . إلى قوله : مكشوفة . إشارة إلى علمه تعالى بأحوالهم الباطنة الَّذي هو من لوازم كونه أحضر لكفايتهم كما بيّناه . واطَّلاعه عليهم في ضمائرهم اعتبار لكمال علمه تعالى وبراءته عن النقصان ، وكذلك علمه بمبلغ بصائرهم : أي بمقادير عقولهم وتفاوت استعداد نفوسهم لدرك الكمالات ، وأكَّد بقوله : فأسرارهم لك مكشوفة . ما سبق من الإشارة إلى إحاطة علمه تعالى بأحوالهم الباطنة في معرض الإقرار بكمال العبوديّة والخضوع له والاعتراف بأنّه لا يخفى عليه منهم شيء ، ولهف قلوبهم إليه تحسّرها على الوصول إليه والحضور بين يديه ، وهو اعتبار لكمال محبّتهم له ورغبتهم فيما عنده . وقوله : إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك . أي الغربة في هذه الدار كما هنا ، وهو اعتبار لحصول الاستيناس من جهتهم به ، والأوّل اعتبار لكونه تعالى أنيسا لهم . وقوله : وإن صبّت . إلى قوله : بك . اعتبار لتحقّق توكَّلهم عليه تعالى في دفع ما يكرهون من مصائب الدنيا عند نزولها بهم . إذ سبق اعتبار كونه تعالى أحضر من توكَّل عليه لكفاية المتوكَّلين . ولجئوهم إلى الاستجارة به يعود إلى توجيه وجوه نفوسهم إليه تعالى في دفع ذلك المكروه دون غيره وهو التوكَّل الخالص . وقوله : علما . إلى قوله : قضائك . فعلما مفعول له : أي لأجل علمهم بأنّ الأمور كلَّها مربوطة بأسبابها تحت تصريف قدرتك ، وأنّ مصادرها وهى أسبابها القريبة منتهية إلى قضائك ، وهو حكم علمك . إذ به ومنه كانت أسبابا ومصادر لتلك المصايب كان لجئوهم في الاستجارة بك . ويحتمل أن يكون علما مصدرا سدّ مسدّ الحال ، وهو يستلزم كونهم في عباداتهم وأحوالهم مقطوعي النظر عن غيره تعالى ، ولفظ الأزمّة مستعار