ابن ميثم البحراني

88

شرح نهج البلاغة

216 - ومن دعاء له عليه السّلام اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ ولَا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالإِقْتَارِ - فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ وأَسْتَعْطِفَ شِرَارَ خَلْقِكَ - وأُبْتَلَى بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي وأُفْتَتَنَ بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي - وأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِيُّ الإِعْطَاءِ والْمَنْعِ ( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أقول : اليسار بالفتح : الغنى . والإقتار : ضيق الرزق والفقر . وحاصل الفصل التجاء إلى اللَّه في طلب الغنى وعدم الابتلاء بالفقر ولوازمه . واعلم أنّ الغنى المطلوب لمثله عليه السّلام هو ما دفع ضرورة حاجته بحسب الاقتصاد والقناعة لا المفهوم المتعارف بين أرباب الدنيا من جمع المال وادّخاره والاتّساع به فوق الحاجة ، وطلب الغنى على ذلك الوجه محمود ، وعلى الوجه الثاني هو المذموم ، والفقر هو ما احتاج الإنسان معه إلى سؤال الناس ويلزمه بذلك الاعتبار لوازم صارفة عن وجه اللَّه وعبادته : أوّلها : ابتذال الجاه ونقصان الحرمة ، ولمّا كان الجاه والغنى كالمتلازمين لا يليق أحدهما إلَّا بالآخر جعل مزيل الجاه الفقر لأنّه مزيل الغنى ، وإلى وجوب تلازمهما أشار أبو الطيّب بقوله : فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله * ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده والجاه أيضا له اعتبارات فما أريد للَّه منه كان شرفا به واعتزازا بدينه ، وما أريد الاستعانة به على أداء حقوق اللَّه وطاعته فهو الوجه المحمود الَّذي سأل اللَّه حفظه عليه بالغنا عن الناس ، وهو الَّذي امتنّ اللَّه تعالى به على الأنبياء في قوله « يا مَرْيَمُ إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ » ( 1 ) وما أريد به الفخر والترؤّس في الدنيا فهو المذموم .

--> ( 1 ) 3 - 40 .