ابن ميثم البحراني
69
شرح نهج البلاغة
ثمّ يمتنع الصبر عنه آخرا فيثمر الثمرة ، ولذلك قال بعضهم : كابدت القرآن عشرين سنة . ثمّ تنعّمت به عشرين سنة . ولا يصدر التنعّم إلَّا عن الأُنس والحبّ ولا يصدر الأُنس إلَّا من المداومة على المكابدة حتّى يصير التكلَّف طبعا . ثمّ إذا حصل الأُنس باللَّه انقطع عن غير اللَّه ، وما سوى اللَّه يفارقه عند الموت فلا تبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ولد ولا ولاية ولا تبقى إلَّا المحبوب المذكور فيتمتّع به ويتلذّذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه من أسباب الدنيا ومحبوباتها . إذا عرفت ذلك فقوله : جعله جلاء . إشارة إلى فائدته وهى استعداد النفوس بمداومته على الوجه الَّذي ذكرناه لمحبّة المذكور والإعراض عمّا سواه ، واستعار لفظ الجلاء لإزالة كلّ ما سوا المذكور عن لوح القلب بالذكر كما يزال خبث المرآة بالصقال ، وتجوّز بلفظ السمع في إقبالها على ما ينبغي أن يسمع من أوامر اللَّه ونواهيه وساير كلامه ، والوقرة لإعراضها عنها ، وكذلك بلفظ البصر في إدراكها للحقايق وما ينبغي لها ، ولفظ العشوة لعدم ذلك الإدراك إطلاقا في المجازات الأربعة لاسم السبب على المسبّب . وانقياد هاله : أي للحقّ ، وسلوك طريقه بعد المعاندة فيه والانحراف عنه . وقوله : وما برح . إلى قوله : عقولهم . إشارة إلى أنّه لم يخلو المدد وأزمان الفترات قطَّ من عباد اللَّه وأولياء له وألهمهم معرفته وأفاض على أفكارهم وعقولهم صور الحقّ وكيفيّة الهداية إليه مكاشفة ، وتلك الإفاضة والإلهام هو المراد بالمناجات والتكلَّم منه . وقوله : فاستصبحوا . إلى قوله : والأفئدة . أي استضاؤا بمصباح نور اليقظة ، واليقظة في الأفئدة فطانتها واستعدادها الكامل لما ينبغي لها من الكمالات العقليّة ، ونور تلك اليقظة هو ما يفاض عليها بسبب استعدادها بتلك الفطانة ويقظة الأبصار والأسماع بتتّبعها لإبصار الأمور النافعة المحصّلة منها عبرة وكمالا نفسانيّا وسماع النافع من الكلام ، وأنوار اليقظة فيهما ما يحصل بسبب ذلك الإبصار والسماع من أنوار الكمالات النفسانيّة .