ابن ميثم البحراني
62
شرح نهج البلاغة
كأس المنيّة فبدّلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا وإسناد العمى إلى الأخبار والصمم إلى الديار مجاز كقولهم : نهاره صائم وليله قايم . وقوله : فكأنّهم . إلى قوله : سبات . أي إذا أراد أحد ينشئ صفة حالهم ، شبّههم بالصرعى عن النوم ، ووجه الشبه عدم الحركات والسماع والنطق مع الهيئة المشاهدة من المستغرق في نومه . ثمّ نبّه على أنّهم في أحوالهم الأُخرويّة من تجاورهم مع وحدتهم وتهاجرهم ليس كتلك الأحوال في الدنيا . إذ من شأن الجيران فيها أن يأنس بعضهم ببعض ، والأحياء أن تزاوروا ، والواحد أن لا يكون في جماعة . وأشار بالجوار إلى تقارب أبدانهم في القبور ، وبالمحابّة إلى ما كانوا عليه من التحابّ في الدنيا ، وبهجرهم إلى عدم تزاورهم ، وكذلك خلالهم إلى ما كانوا عليه من المودّة في الدنيا ، وكونهم لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء لكون الليل والنهار من لواحق الحركات الدنيويّة الفانية عنهم فتساوى الليل والنهار بالنسبة إليهم ، وكذلك قوله : أيّ الجديدين . إلى قوله : سرمدا ، والجديدان الليل والنهار لتجدّد كلّ منهما أبدا . واستعار وصف الظعن لانتقالهم إلى الدار الآخرة ، وكون ذلك الجديد الَّذي ظعنوا فيه سرمدا عليهم ليس حقيقة لعدم عوده بعينه بل إسناد السرمديّة إليه لكونه جزء من الزمان الَّذي يلزمه السرمديّة لذاته حقيقة . وقوله : شاهدوا . إلى قوله : عاينوا . إشارة إلى صعوبة أهوال الآخرة وعظمة أحوالها بالنسبة إلى ما يخاف منها في الدنيا ، وذلك أمر عرف بأخبار الشريعة الحقّة وتأكَّد باستقراء اللذّات والآلام العقليّة ونسبتها إلى الحسيّة . ثمّ إنّ الخوف والرجاء لأمور الآخرة إنّما يبعثان منّا بسبب وصف تلك الأمور ، وإنّما يفعل من تلك الأوصاف ما كان فيه مناسبة وتشبّه بالأمور المخوفة والمرجّوة في الدنيا فنحن نتصوّر تلك على قياس هذه فذلك سبب سهولتها علينا وضعف خوفنا منها ورجائنا لها حتّى لو شاهدنا أخطار تلك الدار لشاهدنا أشدّ ممّا نخافه الآن ونتصوّره ونقدّره بأوهامنا . فلا جرم لمّا