ابن ميثم البحراني
390
شرح نهج البلاغة
من البقاء إلَّا ما أرجو ولا أخاف من القتل إلَّا ما تخاف ، وقدو اللَّه رقّت الأجناد وذهبت الرجال وأكلت الحرب العرب إلَّا حشاشات أنفس بقيت ، وإنّا في الحرب والرجال سواء ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل إلَّا فضل لا يستذلّ به عزيز ولا يسترّق به حرّ . والسلام . فلمّا قرء عليّ عليه السّلام كتابه تعجّب منه ومن كتابه ثمّ دعا عبد اللَّه بن أبي رافع كاتبه وقال له : اكتب إليه : أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنّك لو علمت وعلمنا أنّ الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يحبّها بعض على بعض وأنا وإيّاك في غاية لم نبلغها بعد ، وأمّا طلبك إلى الشام . الفصل . الحشاشة : بقيّة الروح . والطليق : الأسير الَّذي أُطلق من أسره وخلَّى سبيله . والصريح : الرجل خالص النسب . واللصيق : الدعيّ الملصق بغير أبيه . والمدغل : الَّذي اشتمل باطنه على فساد كنفاق ونحوه . وسلف الرجل : آباؤه المتقدّمون . وخلفه : من يجيء بعده . ونعشنا : رفعنا . والفوج : الجماعة . وقد أجاب عليه السّلام عن أمور أربعة تضمّنها كتاب معاوية : أحدها : أنّه استعطفه إلى البقيّة واستدرجه لوضع الحرب بقوله : إنّك لو علمت . إلى قوله : ما بقي . وفيه إشعار بالجزع من عضّ الحرب والخوف من دوامها فأجابه عليه السّلام بقوله : وأنا وإيّاك في غاية لم نبلغها بعد ، ويفهم منه التهديد ببقاء الحرب إلى الغاية منها وهي الظفر به وهلاكه وهو مستلزم لتخويفه والتهويل عليه ومنع ما طلب من وضع الحرب . الثاني : أنّه سأل إقراره على الشام مع نوع من التشجّع الموهم لعدم الانفعال والضراعة ، وذلك في قوله : وقد كنت سألتك الشام . إلى قوله : أمس . وقوله : فإنّك لا ترجو . إلى قوله : ما نخاف . إشارة إلى كونهما سواء في رجاء البقاء والخوف من القتل ، ومقصود ذلك أن يوهم أنّه لا انفعال له عن تلك الحرب أيضا . وقوله : وأنا أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس . أي من طلب إقراره على الشام ، وذلك أنّه عليه السّلام حين بويع بالخلافة كان