ابن ميثم البحراني
364
شرح نهج البلاغة
مع رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الصبر المشروح إلى الغاية المذكورة . وقد سبقت منّا الإشارة إلى أنّه عليه السّلام أوّل من عبد اللَّه تعالى مع الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هو وخديجة ومن لحق بهم من المسلمين وأنّهم بقوا على ذلك عدّة سنين يتعبّدون بشعاب مكَّة وغيرها سرّا ، وكانت المشركون يبالغون في أذاهم ، وقيل : إنّ المشركين بعد ظهور النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالنبوّة لم تنكر عليه القريش حتّى سبّ آلهتهم فأنكروا عليه وبالغوا في أذاه وأغروا به صبيانهم فرموه بالحجارة حتّى أدموا عقبه وبالغوا في أذى المسلمين . فأمرهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالخروج إلى الحبشة فخرج في الهجرة إليها أحد عشر رجلا منهم عثمان بن عفّان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعبد اللَّه بن مسعود وخرجت قريش في طلبهم ففاتوهم فخرجوا في طلبهم إلى النجّاشي فلم يمكَّنهم منهم ولم يزالوا يبالغون في أذى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويعملون الحيلة في هلاكه . وروى أحمد في مسنده عن ابن عبّاس قال : إنّ الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاهد وا باللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمّدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلا نفارقه حتّى نقتله . قال : فأقبلت فاطمه عليها السّلام حتّى دخلت عليه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأخبرته بقولهم وقالت له : لو قد رأوك لقتلوك وليس منهم رجل إلَّا وقد عرف نصيبه من دمك . فقال : يا بنيّتي أريني وضوءا . فتوضّأ ثمّ دخل عليهم المسجد . فلمّا رأوه غضّوا أبصارهم ثمّ قالوا : هو ذا . ثمّ لم يقم إليه منهم أحد فأقبل صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حتّى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها . وقال : شاهت الوجوه . فما أصاب رجلا منهم شيء منه إلَّا قتل يوم بدر كافرا . فذلك معنى قوله : فأراد قومنا إهلاك نبيّنا واجتياح أصلنا . إلى قوله : نار الحرب . وقوله : وهمّوا بنا الهموم . أي أرادوا بنا الإرادات والأفاعيل إرادات إيقاع الشرور بهم والأفعال القبيحة . وقيل : أراد بالهموم الأحزان : أي همّوا أن يفعلوا بنا ما يوجب الأحزان . وقوله : ومنعونا العذب .