ابن ميثم البحراني

35

شرح نهج البلاغة

المواهب الجليلة ، وأراد بقبولها قبولها الحقّ التامّ على الوجه الَّذي ينبغي من مراعاة مصلحتها ومراقبتها عن آثار النفاق كما قال تعالى « فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ » ( 1 ) وبالقارعة الَّتي حذّر منها قبل حلولها قارعة الموت . ثمّ أمر أن يعتبر المرء قصر أيّام حياته وقلَّة مقامه في منزل يستلزم الإقامة القليلة فيه هذه العناية وهى أن يستبدل به منزلا آخر : أي يحلّ محلّ عبرته إقامته القصيرة في الدنيا المستلزمة لانتقاله منها إلى الآخرة فإنّ في تصوّره قلَّة المقام في هذا المنزل للعبور إلى منزل آخر عبرة تامّة ، ويحتمل أن تكون حتّى غاية من أمره بالنظر في الاعتبار : أي فلينظر في ذلك المنزل يستبدل به غيره ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يعمل لذلك المنزل المتحوّل إليه ، ولمعارف منتقلة : أي لمواضع الَّتي يعرف انتقاله إليها . وطوبى فعلى من الطيب قلَّبوا ياءها واو للضمّة قبلها ، وقيل : هي اسم شجرة في الجنّة ، وقلب سليم : أي لم يتدنّس برذيلة الجهل المركَّب ولا بنجاسات الأخلاق الرديئة ، ومن يهديه إشارة إلى نفسه عليه السّلام وأئمّة الدين ، ومن يرديه في مهاوي الهلاك المنافقون وأئمّة الضلالة ، وإصابته لسبيل السلامة وقوفه على سبيل اللَّه عند حدوده بهداية من هداه وطاعته لها وأمره بسلوكها ، ومبادرته للهدى مسارعته إليه قبل غلق أبوابه ، واستعار لفظ الأبواب له ولأئمّة الدين من قبله ، ورشّح بذكر الغلق وأراد به عدمهم أو موت الطالب ، وكذلك استعار لفظ الأسباب لهم ، ووجه الاستعارة كونهم وصلا إلى المراد كالجبال ، ورشّح بذكر القطع وأراد به أيضا موتهم ، واستفتاح التوبة استقبالها والشروع فيها ، وإماطة الحوبة إزالة الإثم عن لوح نفسه بتوبته . وقوله : فقد أقيم . إلى آخره . إشعار منه بإقامة أعلام اللَّه وهم العلماء والكتاب المنزل والسنّة النبويّة والهداية بها إلى واضح سبيله ليقتدى الناس بها ويسلكوا على بصيرة . وباللَّه التوفيق والعصمة .

--> ( 1 ) 3 - 42 .