ابن ميثم البحراني

336

شرح نهج البلاغة

إلى مثل ذلك ، ولفظ التنازع ترشيح لاستعارة المضمار والمسابقة لأنّ من شأن ذلك التنازع على السبق والمجاذبة على الفوز بالسبقة . وخلاصة المعنى أنّه تعالى أمهلكم في الدنيا للاستعداد فيها وتجاذب السبق إليه . وقوله : فشدّوا عقد المآزر . كناية عن الأمر بالتشمير والاجتهاد في طاعة اللَّه والاستعداد بها بعد أنّ بيّن أنّ ذلك الغاية من الإمهال في الدنيا إذ كان من شأن من يهتمّ بالأمر ويتحرّك فيه أن يشدّ عقدة مئزره كيلا يشغله عمّا هو بصدده . وقوله : واطووا فضول الخواصر . كناية عن الأمر بترك ما يفضل من متاع الدنيا على قدر الحاجة من ألوان الطعوم والملابس وساير قينات الدنيا . وأصله أنّ الخواصر والبطون لها احتمال أن يتّسع لما فوق قدر الحاجة من المأكول فذلك القدر المتّسع لما فوق الحاجة هو فضول الخواصر . وكنّى بطيّها عمّا ذكرناه . إذ كان من لوازم ذلك الطيّ ترك تلك الفضول . وقوله : لا يجتمع عزيمة ووليمة . أراد بالعزيمة العزيمة على اقتناء الفضائل واكتسابها والعزيمة هي الإرادة الجازمة للأمر بعد اختياره . وكنّى بالوليمة وهي طعام العرس ونحوه عن خفض العيش والدعة لاستلزام الوليمة ذلك ، والمعنى أنّ العزيمة على تحصيل المطالب الشريفة وكرايم الأمور ينافي الدعة وخفض العيش ولا يحصل مع الهوينا لما يستلزمه تحصيل تلك المطالب والعزم عليها من المشاقّ وإتعاب النفس وكذا البدن بالرياضات والمجاهدات المنافية للدعة والراحة ، ويقرب منه قوله تعالى « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » ( 1 ) ثمّ أكدّ ذلك بقوله : ما أنقض النوم لعزائم اليوم . وأصله أنّ الإنسان يعزم في النهار على المسير بالليل ليقرب المنزل فإذا جاء الليل نام إلى الصباح فانتقض بذلك عزمه فضربه مثلا لمن يعزم على تحصيل الأمور

--> ( 1 ) 3 - 84 .