ابن ميثم البحراني
330
شرح نهج البلاغة
الدار . وأراد بالدار مدينة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والَّذين تبّوؤوها هم الأنصار من أهلها الَّذين أسلموا بها قبل هجرة الرسول إليهم بسنتين وابتنوا بها المساجد . وإليهم أشار تعالى في كتابه العزيز وأثنى عليهم فقال « والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ والإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ » إلى قوله « فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ( 1 ) وفي نسخة الرضى - رحمه اللَّه - تبّوؤوا الدار فقط ، وفي ساير النسخ والإيمان ، ووصف الإيمان بكونه متبّوءا لهم مستعار ملاحظة لشبهه بالمنزل باعتبار أنّهم ثبتوا عليه واطمأنّت قلوبهم به ، ويحتمل أن يكون نصب الإيمان هنا كما في قوله : ورأيت زوجك في الوغا * متقلَّدا سيفا ورمحا أي لازموا الإيمان كما أراد القايل ومعتقلا رمحا . وقوله : ألا وإنّ القوم . إلى قوله : تكرهون . والقوم هم أهل الشام . والَّذي اختاروه لأنفسهم وكان أقرب القوم ممّا يحبّون هو عمرو بن العاص فإنّهم اختاروه للحكومة وعيّنوا عليه من قبلهم . وكونه أقرب القوم ممّا يحبّون لكثرة خداعه ولميله إلى معاوية وعطائه . والَّذي يحبّونه ممّا هو أقرب إليه هو الانتصار على أهل العراق وصيرورة الأمر إلى معاوية والَّذي اختاره أهل العراق للحكومة هو أبو موسى الأشعري ، وكان أقرب القوم ممّا يكرهون من صرف الأمر عنهم . وكونه أقرب إلى ذلك إمّا لغفلته وبلاهته أو لانّه كان منحرفا عن عليّ عليه السّلام ، وذلك أنّه كان في زمن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم واليا من قبله على زبيد من أعمال اليمن ثمّ ولَّاه عمر البصرة لمّا عزل المغيرة عنها فلمّا عزله عثمان سكن بالكوفة فلمّا كره أهلها سعيد بن العاص ودفعوه عنها ولَّوا أبا موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولَّيه فأقرّه على الكوفة فلمّا قتل عثمان عزله عليّ عليه السّلام فلم يزل واجدا لذلك عليه حتّى كان منه ما كان في الكوفة . وقوله وإنّما عهدكم بعبد اللَّه إلى آخره احتجاج عليهم في اختيارهم لعبد اللَّه ابن قيس وهو أبو موسى الأشعري للحكومة . وصورة الاحتجاج : أنّ أبا موسى كان يقول
--> ( 1 ) 59 - 9 .