ابن ميثم البحراني
321
شرح نهج البلاغة
منها شاهدا على صدق دعواي . ولمّا كانت الشجرة محلّ ما سأل من اللَّه خاطبها لذلك . فعلى هذا يكون مجازا من باب إقامة المسبّب مقام السبب . قال : ويحتمل أن يكون الخطاب في الأصل للملائكة الموكَّلين بالشجر . قوله : وإنّي لمن قوم . إلى قوله : لائم . كناية عن بلوغه في طاعة اللَّه الغاية المطلوبة منه فإنّه عليه السّلام لم يقف دون غاية منها حتّى يلام على النقص فيها . وقوله : سيماهم سيما الصدّيقين . إلى آخر الصفات . فالقوم هم المتّقون الَّذين سأله همّام عن صفتهم . والصفات المذكورة بعض صفاتهم وقد سبقت مستوفاة في خطبة مفردة . وذكر هاهنا عشرا : إحداها : أنّ علاماتهم علامات الصدّيقين وهم الملازمون للصدق في أقوالهم وأفعالهم طاعة للَّه تعالى وقد عرفت علاماتهم في خطبة همّام . الثانية : وكذلك كلامهم كلام الأبرار من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والذكر الدائم لمعبودهم الحقّ . الثالثة : كونهم عمّار الليل . وكنّى بعمارتهم له عن قيامهم فيه بالعبادة . روى أنّ أحدهم كان إذا كسل عن العمل علَّق نفسه بحبل حتّى يصبح عقوبة لها . الرابعة : استعار لفظ المنار لهم بالنهار باعتبار كونهم يهدون الخلق إلى طريق اللَّه كالمنار إلى الطريق المحسوس ، وكذلك لفظ الحبل للقرآن باعتبار كونه سببا لمتعلَّميه ومتدبّريه إلى التروّي من ماء الحياة الباقية كالعلوم والأخلاق الفاضلة كالحبل الَّذي هو سبب الارتواء والاستقاء من الماء ، أو باعتبار كونه عصمة لمن تمسّك به صاعدا من دركات الجهل إلى أقصى درجات العقل كالحبل يصعد فيه من السفل إلى العلوّ . ولفظ القرآن مجرور بعطف البيان . الخامسة : وكذلك استعار وصف إحياء السنن لهم باعتبار إقامتها وإبقاء العمل بها . السادسة : عدم الاستكبار والعلوّ منهم . ولمّا كان الاستكبار في الإنسان